الرئيسي
06-26-2003, 09:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وخلفاءه، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: يعتقد أهل السنّة والجماعة بأن صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهي توقيفية على القرآن والأثر، فلا مجال للعقل فيها، فيجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن والأثر، فلا يُزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. ولأن تسميته أو وصفه تعالى بما لم يسم أو وصف به نفسه، أو إنكار ما سمى أو وصف به نفسه، جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص.
وهذا خلاف التعبير عن الرب تعالى بما عبَّر به عن نفسه، أو بما عبر به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو بما ورد عن الصحابة - رضوان الله عليهم -، فالأولى عدم تجاوز عبارات السلف في ذلك، فإن التعبير بخلاف الوصف، فإن الوصف توقيفي - كما تقدم -، وأما الإخبار عن الله ليس توقيفياً على الإطلاق.
لذلك يجوز القول: "إن الله موجود"، فهذا التعبير، ليس وصفاً مما اتفق عليه العلماء، وهو ما نص عليه الحافظ ابن القيم، إذ قال: "إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الإخبار لا يجب أن يكون توقيفياً، كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه".
انظر: بدائع الفوائد، 1/162.
لذلك يجب إثبات كل ما أثبته الله لنفسه وما أثبته به رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الصفات، لأن نفي أي صفة عن الله تعالى لا يكون مدحاً له، بل ذماً، إذ إن النفي لا يكون إلا بوجه العموم، فإن تفصيل النفي من غير سبب يقتضي تفصيله فيه نقص للموصوف لا كمال، وسخرية واستهزاء لا مدح. على عكس الإثبات تماماً، فالتفصيل في الإثبات – ولو من غير سبب يقتضيه – فيه كمال للموصوف لا نقص، ومدحاً لا سخرية. كما إن التفصيل في الإثبات مع الإجمال في النفي، يكون مدحاً بالغاً.
فلو أنك مدحت أميراً فقلت له: "أنت كريم، وسياسي محنك، وعادل الحكم"، ونحو ذلك من التفصيل في صفات المدح لإظهار محاسنه، لستحسن قولك وقربك. ولو قلت: "أنت كريم، وسياسي محنك، وعادل الحكم، ليس في أمراً الدنيا في عصرك وسلاطينها أحد مثلك"، لكان هذا من أعظم الثناء عليه لأنه مدحاً بالغاً فصل في الإثبات وأجمل النفي فيه. ولكن، لو قلت: "أنت غير بخيل، ولا سياسي طائش، ولا ظالم الحكم" ونحو ذلك في التفصيل في النفي التي لا تليق به؛ لستقبح قولك وأبعدك لأن هذا القول يعد سخرية منه استهزاء به وتنقصاً من مكانته.
وفي ذلك يقول الحافظ ابن القيم: "ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتاً، فإن الله لا يوصف به، لأنه عدم محض، ونفي صرف لا يقتضي مدحاً ولا كمالاً ولا تعظيماً ولهذا كان تسبيحه وتقديسه – سبحانه – متضمناً لعظمته، ومستلزماً لصفات كماله، ونعوت جلاله، وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح، والعدم في نفسه ليس بشيء يمدح به، ويحمد عليه، ولا يكسب القلب علماً بالمذكور، ولا محبة وقصداً له، ولهذا كان عدم السِّنةِ والنوم مدحاً وكمالاً في حقه سبحانه لتضمنه واستلزامه كمال حياته وقيوميته، ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته، ونفي النسيان عنه كمال لتضمنه، كمال علمه، وكذلك نفي عزوب شيء عنه، ونفي الصاحبة والولد كمال لتضمنه كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السموات والأرض عبيد له، وكذلك نفي الكفؤ والسمي، والمثل عنه كمال: لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه واستحالة وجود مشارك له فيها فالذين يصفونه بالسلوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرسل وعرفوه إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمده به ويثني عليه ويمجد وتعرف به عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به بعدم اعتقادهم الحق واعتقادهم خلاف الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأساً".
انظر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، 4/1369-1371.
ومن جملة الصفات التي يجب إثباتها لله صفة العلو. وذلك لقوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}
وقول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء". والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عمر، زاد أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك "والرحم شجنة من الرحمن: فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله" وهذه الزيادة صحيحه صححها الألباني. ورواه الطبراني بإسناد جيد عن جرير مرفوعاً: "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء"، ومن شواهده أيضاً ما رواه أحمد وعبد بن حميد في مسنديهما والطبراني وغيرهم بسند جيد عن ابن عمر.
قال الإمام الألباني: "رجاله ثقات"
أنظر: السلسلة الصحيحة /925.
وقال أيضاً: "صحيح"
أنظر: صحيح أبي داود /4132.
وقال الإمام الترمذي: "هذا الحديث حسن صحيح".
أنظر: سنن الترمذي وشرح العلل /1989.
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وكذلك صححه الحاكم لما له من الشواهد.
إذا أريد بـ"السماء" في قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، وقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "... من في السماء" العلو فـ "في" للظرفية وهو أن الله جل وعلا في العلو بائن من خلقه سبحانه وتعالى عالٍ على مخلوقاته بائن من خلقه، فالمعنى صحيح.
وإن أريد بـ"السماء" السماء المبنية وهي السبع الطباق فمعنى "في" هنا: بمعنى "على"؛ فالمعنى صحيح أيضاً، فإنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: "ارحموا من في الأرض" أي: على الأرض. فكذلك "يرحمكم من في السماء" أي: على السماء سبحانه وتعالى. وهذا مثل قوله تعالى: {فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ} وقوله عن فرعون: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} فإن "في" في هاتين الآيتين بمعنى "على". به ذهب الإمام الألباني، إذ قال: "كلمة في هنا - أي في الحديث - بمعنى على"
أنظر: السلسلة الصحيحة /925.
وقد يتوهم بعض أهل البدع، بأن أهل السنّة والجماعة أثبتوا لله المكان، وهذا القول باطل، وذلك إن لفظ "مكان" لم يثبت لا في القرآن ولا في السنة، فيجب الوقوف عند هذا الفظ . فإذا أريد بـ"ـالمكان" العلو، فالمعنى صحيح واللفظ خطأ. فإذا أريد بـ"ـالمكان" مكان ما في المواقع؛ أي: إن الله قد حل واختلط في الأماكن، فالمعنى خطأ وكذلك اللفظ.
وفي ذلك يقول الإمام الألباني: "إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما، لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظاً، إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضاً إن أراد حصره تعالى في مكان وجودي، أو تشبيهه تعالى بخلقه".
أنظر: مختصر العلو، ص72.
وقال فضيلة الشيخ ابن العثيمين: "الله ليس له مكان ما في المواقع...، الله منزه عن المكان باتفاق جميع العلماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث (الذي رواه) البخاري: "كان الله ولا شيء معه"، معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغني عن العالمين، هذه حقيقة متفق عليها...".
أنظر: منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ص132-133.
فنفي المتفلسفة من أهل البدع المكان عن الله جل جلاله، نتيجة لفهمهم للمكان.
فإن الفلاسفة اتفقوا بأن المكان ينقسم إلى أربعة أقسام هي؛ المكان العقلي، والمكان الحسّي، والمكان الطبيعي والمكان المطلق.
فالمكان العقلي هو الذي نتخيله في العقل عندما نتصور الأشكال الهندسية، فقالت بعض المتفلسفة بأن لله مكاناً بهذا المعنى، ومنهم "كانت" الذي قال: "ليس له مثل هذا الوجود، بل هو من فرض عقولنا".
انظر: معاني الفلسفة ص109.
ود سلك هذا المذهب أهل الفلسفة المحضة من الكلامية، فقالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين له ولا محايث، فالله عندهم ليس إلا حقيقة ذهنية، ولا وجود له في الواقع. فهم في الحقيقة يعبدون عدماً، كما ورد عن جماعة من السلف والأئمة منهم ابن المبارك وعلي المديني، وجماعة من أهل العلم والتحقيق والسنة، وقد نقل عنهم عباراتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: "إن المجسمة يعبدون صنماً، والمعطلة يعبدون عدماً".
انظر: مجموع الفتاوى، 5/52-53.
أما المكان الحسي هو الذي تحط به بالحواس، وهو خاص بالنسبة لنا، وهذا المكان أمراً نسبياً تتفاوت من شخص إلى آخر، فلو حل الرجل في مكان ما، ويستطيع هذا الرجل أن يحيط بالمكان بحواسه، صار ذاك المكان بالنسبة إليه مكاناً حسياً، فإن لم يستطع الحلول في ذاك المكان، صار ذاك المكان بالنسبة له مكاناً طبيعياً، والذي هو المكان العام الذي تقوم فيه الأجسام وتتحرك، وهو عام بالنسبة لنا.
فالجهمية يعتقدون بالحلول وأن الله تعالى حال في كل مكان، وكذلك أصحاب المذهب الفلسفي وحدة الوجود، فهم يعتقدون بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله هو الوجود الحق، ويعتبرونه صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر كثيراً من أقوال أصحاب مذهب وحدة الوجود: "يقولون: إن الوجود واحد، كما يقول ابن عربي - صاحب الفتوحات - وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وأمثالهم - عليهم من الله ما يستحقونه - فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجوداً مبايناً لوجود المخلوق. وهو جامع كل شر في العالم، ومبدأ ضلالهم من حيث لم يثبتوا للخالق وجوداً مبايناً لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئاً، ومن القول الفاسد من كلام المتصوفة والمتكلمين شيئاً ومن كلام القرامطة والباطنية شيئاً فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخس المطالب، ويثنون على ما يذكر من كلام التصوف المخلوط بالفلسفة".
انظر: جامع الرسائل 1/167.
أما المكان المطلق فهو مطلق من حيث أنه لا بداية له أو نهاية.
يتبع...
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وخلفاءه، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: يعتقد أهل السنّة والجماعة بأن صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهي توقيفية على القرآن والأثر، فلا مجال للعقل فيها، فيجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن والأثر، فلا يُزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. ولأن تسميته أو وصفه تعالى بما لم يسم أو وصف به نفسه، أو إنكار ما سمى أو وصف به نفسه، جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص.
وهذا خلاف التعبير عن الرب تعالى بما عبَّر به عن نفسه، أو بما عبر به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو بما ورد عن الصحابة - رضوان الله عليهم -، فالأولى عدم تجاوز عبارات السلف في ذلك، فإن التعبير بخلاف الوصف، فإن الوصف توقيفي - كما تقدم -، وأما الإخبار عن الله ليس توقيفياً على الإطلاق.
لذلك يجوز القول: "إن الله موجود"، فهذا التعبير، ليس وصفاً مما اتفق عليه العلماء، وهو ما نص عليه الحافظ ابن القيم، إذ قال: "إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الإخبار لا يجب أن يكون توقيفياً، كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه".
انظر: بدائع الفوائد، 1/162.
لذلك يجب إثبات كل ما أثبته الله لنفسه وما أثبته به رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الصفات، لأن نفي أي صفة عن الله تعالى لا يكون مدحاً له، بل ذماً، إذ إن النفي لا يكون إلا بوجه العموم، فإن تفصيل النفي من غير سبب يقتضي تفصيله فيه نقص للموصوف لا كمال، وسخرية واستهزاء لا مدح. على عكس الإثبات تماماً، فالتفصيل في الإثبات – ولو من غير سبب يقتضيه – فيه كمال للموصوف لا نقص، ومدحاً لا سخرية. كما إن التفصيل في الإثبات مع الإجمال في النفي، يكون مدحاً بالغاً.
فلو أنك مدحت أميراً فقلت له: "أنت كريم، وسياسي محنك، وعادل الحكم"، ونحو ذلك من التفصيل في صفات المدح لإظهار محاسنه، لستحسن قولك وقربك. ولو قلت: "أنت كريم، وسياسي محنك، وعادل الحكم، ليس في أمراً الدنيا في عصرك وسلاطينها أحد مثلك"، لكان هذا من أعظم الثناء عليه لأنه مدحاً بالغاً فصل في الإثبات وأجمل النفي فيه. ولكن، لو قلت: "أنت غير بخيل، ولا سياسي طائش، ولا ظالم الحكم" ونحو ذلك في التفصيل في النفي التي لا تليق به؛ لستقبح قولك وأبعدك لأن هذا القول يعد سخرية منه استهزاء به وتنقصاً من مكانته.
وفي ذلك يقول الحافظ ابن القيم: "ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتاً، فإن الله لا يوصف به، لأنه عدم محض، ونفي صرف لا يقتضي مدحاً ولا كمالاً ولا تعظيماً ولهذا كان تسبيحه وتقديسه – سبحانه – متضمناً لعظمته، ومستلزماً لصفات كماله، ونعوت جلاله، وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح، والعدم في نفسه ليس بشيء يمدح به، ويحمد عليه، ولا يكسب القلب علماً بالمذكور، ولا محبة وقصداً له، ولهذا كان عدم السِّنةِ والنوم مدحاً وكمالاً في حقه سبحانه لتضمنه واستلزامه كمال حياته وقيوميته، ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته، ونفي النسيان عنه كمال لتضمنه، كمال علمه، وكذلك نفي عزوب شيء عنه، ونفي الصاحبة والولد كمال لتضمنه كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السموات والأرض عبيد له، وكذلك نفي الكفؤ والسمي، والمثل عنه كمال: لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه واستحالة وجود مشارك له فيها فالذين يصفونه بالسلوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرسل وعرفوه إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمده به ويثني عليه ويمجد وتعرف به عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به بعدم اعتقادهم الحق واعتقادهم خلاف الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأساً".
انظر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، 4/1369-1371.
ومن جملة الصفات التي يجب إثباتها لله صفة العلو. وذلك لقوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}
وقول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء". والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عمر، زاد أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك "والرحم شجنة من الرحمن: فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله" وهذه الزيادة صحيحه صححها الألباني. ورواه الطبراني بإسناد جيد عن جرير مرفوعاً: "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء"، ومن شواهده أيضاً ما رواه أحمد وعبد بن حميد في مسنديهما والطبراني وغيرهم بسند جيد عن ابن عمر.
قال الإمام الألباني: "رجاله ثقات"
أنظر: السلسلة الصحيحة /925.
وقال أيضاً: "صحيح"
أنظر: صحيح أبي داود /4132.
وقال الإمام الترمذي: "هذا الحديث حسن صحيح".
أنظر: سنن الترمذي وشرح العلل /1989.
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وكذلك صححه الحاكم لما له من الشواهد.
إذا أريد بـ"السماء" في قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، وقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "... من في السماء" العلو فـ "في" للظرفية وهو أن الله جل وعلا في العلو بائن من خلقه سبحانه وتعالى عالٍ على مخلوقاته بائن من خلقه، فالمعنى صحيح.
وإن أريد بـ"السماء" السماء المبنية وهي السبع الطباق فمعنى "في" هنا: بمعنى "على"؛ فالمعنى صحيح أيضاً، فإنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: "ارحموا من في الأرض" أي: على الأرض. فكذلك "يرحمكم من في السماء" أي: على السماء سبحانه وتعالى. وهذا مثل قوله تعالى: {فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ} وقوله عن فرعون: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} فإن "في" في هاتين الآيتين بمعنى "على". به ذهب الإمام الألباني، إذ قال: "كلمة في هنا - أي في الحديث - بمعنى على"
أنظر: السلسلة الصحيحة /925.
وقد يتوهم بعض أهل البدع، بأن أهل السنّة والجماعة أثبتوا لله المكان، وهذا القول باطل، وذلك إن لفظ "مكان" لم يثبت لا في القرآن ولا في السنة، فيجب الوقوف عند هذا الفظ . فإذا أريد بـ"ـالمكان" العلو، فالمعنى صحيح واللفظ خطأ. فإذا أريد بـ"ـالمكان" مكان ما في المواقع؛ أي: إن الله قد حل واختلط في الأماكن، فالمعنى خطأ وكذلك اللفظ.
وفي ذلك يقول الإمام الألباني: "إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما، لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظاً، إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضاً إن أراد حصره تعالى في مكان وجودي، أو تشبيهه تعالى بخلقه".
أنظر: مختصر العلو، ص72.
وقال فضيلة الشيخ ابن العثيمين: "الله ليس له مكان ما في المواقع...، الله منزه عن المكان باتفاق جميع العلماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث (الذي رواه) البخاري: "كان الله ولا شيء معه"، معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغني عن العالمين، هذه حقيقة متفق عليها...".
أنظر: منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ص132-133.
فنفي المتفلسفة من أهل البدع المكان عن الله جل جلاله، نتيجة لفهمهم للمكان.
فإن الفلاسفة اتفقوا بأن المكان ينقسم إلى أربعة أقسام هي؛ المكان العقلي، والمكان الحسّي، والمكان الطبيعي والمكان المطلق.
فالمكان العقلي هو الذي نتخيله في العقل عندما نتصور الأشكال الهندسية، فقالت بعض المتفلسفة بأن لله مكاناً بهذا المعنى، ومنهم "كانت" الذي قال: "ليس له مثل هذا الوجود، بل هو من فرض عقولنا".
انظر: معاني الفلسفة ص109.
ود سلك هذا المذهب أهل الفلسفة المحضة من الكلامية، فقالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين له ولا محايث، فالله عندهم ليس إلا حقيقة ذهنية، ولا وجود له في الواقع. فهم في الحقيقة يعبدون عدماً، كما ورد عن جماعة من السلف والأئمة منهم ابن المبارك وعلي المديني، وجماعة من أهل العلم والتحقيق والسنة، وقد نقل عنهم عباراتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: "إن المجسمة يعبدون صنماً، والمعطلة يعبدون عدماً".
انظر: مجموع الفتاوى، 5/52-53.
أما المكان الحسي هو الذي تحط به بالحواس، وهو خاص بالنسبة لنا، وهذا المكان أمراً نسبياً تتفاوت من شخص إلى آخر، فلو حل الرجل في مكان ما، ويستطيع هذا الرجل أن يحيط بالمكان بحواسه، صار ذاك المكان بالنسبة إليه مكاناً حسياً، فإن لم يستطع الحلول في ذاك المكان، صار ذاك المكان بالنسبة له مكاناً طبيعياً، والذي هو المكان العام الذي تقوم فيه الأجسام وتتحرك، وهو عام بالنسبة لنا.
فالجهمية يعتقدون بالحلول وأن الله تعالى حال في كل مكان، وكذلك أصحاب المذهب الفلسفي وحدة الوجود، فهم يعتقدون بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله هو الوجود الحق، ويعتبرونه صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر كثيراً من أقوال أصحاب مذهب وحدة الوجود: "يقولون: إن الوجود واحد، كما يقول ابن عربي - صاحب الفتوحات - وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وأمثالهم - عليهم من الله ما يستحقونه - فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجوداً مبايناً لوجود المخلوق. وهو جامع كل شر في العالم، ومبدأ ضلالهم من حيث لم يثبتوا للخالق وجوداً مبايناً لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئاً، ومن القول الفاسد من كلام المتصوفة والمتكلمين شيئاً ومن كلام القرامطة والباطنية شيئاً فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخس المطالب، ويثنون على ما يذكر من كلام التصوف المخلوط بالفلسفة".
انظر: جامع الرسائل 1/167.
أما المكان المطلق فهو مطلق من حيث أنه لا بداية له أو نهاية.
يتبع...