أنهار
08-04-2003, 01:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيـم
"يأيها المدثرُ قمْ فأنذرْ وربَّك فكبرْ وثيابك فطهرْ والرُّجزَ فاهجر ولا تـَمْنن تستكثر ولربّك فاصبرْ فإذا نُقر فى الناقور فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ على الكفرينَ غيرُ يسيرٍ ذَرْني ومَنْ خَلقْتُ وحيداً وجعلتُ له مالاً ممدوداً وبنينَ شُهوداً ومهَّدتُّ له تمهيداً ثم يطمعُ أنْ أزيدَ كلا إنهُ كان لآيتناعنيداً سأُرهقُهُ صَعوداًإنه فكَّرَ وقَدَّرَ فقُتلَ كيف قَدَّرَ ثم قُتلَ كيفَ قَدَّرَ ثُم نَظَرَ ثم عَبَسَ وبَسَرَ ثم أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ فقال إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هذا إلا قَوْلُ البَشَرِ سَأُصْليهِ سَقَرُ وماأدركَ ما سَقَرُ لا تُبْقى ولا تَذَرُ لوّاحةٌ للبَشَرِعليها تِسعَةَ عَشَرَ وما جعلنا أَصحابَ النَّارِ إلا مَلئكةً وما جَعلنا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنةً للذينَ كَفروا لِيَسْتَيْقِنَ الذين أوتُوا الكتبَ ويَزْدادَ الذينَ ءَامنوا إيمناً ولا يَرْتابَ الذينَ أوتُوا الكتبَ والمؤمنونَ ولِيَقولَ الذينَ في قُلوبـِهِم مرضٌ والكفرونَ ماذا أرادَ اللهُ بِـهذا مَثلاً كَذلكَ يُضِلُّ اللهُ من يَشاءُ ويهدى من يَشاءُ وما يَعلمُ جُنودَ رَبِّكَ إلا هوَ وما هىَ إلا ذِكرى للبَشَرِ كَلا والقَمرِ والَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبحِ إذآ أسْفَرَ إنَّها لإحدى الكُبَرِ نَذيراً للبَشَرِ لِمَن شاءَ منكُمْ أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتأخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينةٌ إلا أصحبَ اليَمِينِ في جَنَّتٍ يَتَساءَلونَ عنِ المجرِمينَ ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قالوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسكينَ وكُنَّا نَخوضُ مَعَ الخآئضينَ وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ حتى أتنا اليَقينُ فَما تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعينَ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بَلْ يُريدُ كُلُّ امْرِئٍ منْهُمْ أَن يُؤْتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلا بَل لا يَخافونَ الآخِرَةَ كلا إِنَّه تَذْكِرَةٌ فَمَن شِاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إلا أَن يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ " صدق الله العظيم
سورة المدثر مدخل إلى الإعجاز العددي
(اقرأ باسم ربك الذي خلق ) هي أول ما نزل في النبوة ، بل أول ما نزل مطلقاً. أما(يا أيها المدثر ) فهي أول ما نزل في الرسالة. جاء في ( البرهان )للزركشي أن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف خاص . والرسالة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف عام . وما يهمنا في هذا المقام سورة (المدّثر ) ، والتي هي أول ما نزل في الرسالة. وبما أن السورة لم تَنْزِل جملة واحدة ، فإنها تسجل لحظات البداية ، وما تبعها من تكذيب ومعاندة، ومحاولات لإبطال الحقيقة القرآنية. كما وتتحدث السورة عن الإخفاق الذي مُني به أهل الشرك في مجال الحجة ،مما دعاهم إلى سلوك طريق المعاندة والإعراض شأن كل متكبر ، وشأن كل من تطغى على عقله وقلبه الشهوات والمصالح ، وشأن كل من يألف الواقع بسلبياته فينفر من كل تغيير وإن حمل الخير والبركة .هنا لا بد من صدمة التهديد والوعيد ، لإسقاط الحواجز والحجب، ولا بد من الشعور بالخطر لاستنفار الطاقات ، والخروج عن مألوف العادات والتقاليد ، فكان التهديد بـ(سقر ) وهي جهنم التي لا تبقي على شيء : (لا تبقي ولا تذر ) ، والتي من شأنـها أن تحرق فتغير كل معالم الجمال المؤقت الذي يَغترّ به الذاهلون عن حقيقة الدنيا الزائفة : (لواحة للبشر ، عليها تسعة عشر ). يقوم عليها (تسعة عشر ) من الملائكة ، يحتمل أن يكونوا تسعة عشر فردا من هذه المخلوقات الكريمة ، أو تسعة عشر نوعاً أو صنفاً لا ندري .
يقول سيد قطب في الظلال : ( أما لماذا كانوا تسعة عشر - أياً كان مدلول هذا العدد - فهو أمر يعلمه الله الذي ينسق الوجود كله ، ويخلق كل شيء بقدر ) . هذا كلام مقبول وجميل ، ولكن هل يعتبر العدد هنا من قبيل المتشابه الذي لا مطمع للإنسان في إدراك بعض حكمه ومراميه، أم أنّهُ الإشارة التي تطلق العقل البشري في اتجاه مفاتيح الكثير من المعاني والأسرار ؟ ! فالأصل أن يُعمل الكلام ولا يُهمل.
(عليها تسعة عشر ، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا … ): لقد فصّل القرآن الحديث حول هذا العدد اللغز : ( وما جعلنا عدتـهم إلا فتنة للذين كفروا …). ولا نريد هنا أن نتحدث عن معاني (جعل )، ولكن ببساطة نجد أن الآيات تنص على أن هذا العدد هو مجرد فتنة للذين كفروا ، وإذا رجعنا إلى معنى كلمة ( فتنة ) نجد أن الفتنة في الأصل هي عملية تعريض خام الذهب للنار ، من أجل تمييز الذهب عن باقي الشوائب بالصهر ، وعليه تكون كل عملية يقصد بـها استخراج الصالح وتمييزه عن الطالح (فتنة ). فالفئة المستهدفة إذن هي (معسكر الكفر). ومن شأن قضية (19) -كما نص القرآن الكريم - أن تكون (فرّازة ) تميز الصالح من غير الصالح . أمّا قول من قال من المفسرين بأن ذكر العدد (19) في الآية من شأنه أن يفتن المشركين من قريش بجعل المسألة موضعاً للبحث والهزء ، فإن هذا القول يجعل الفتنة ذات نتيجة سلبية فقط ، لا ينتج عنها خير ، في حين أن للفتنة وجوهاً ونتائج ترتبط بحقيقة كل فرد تعرض لها ، وما يعلم الله منه ، وما يريد عز وجل ،فيضّل الله من يشاء ، ويهدي من يشـاء . أنظر قوله تعالى في سورة الأعراف على لسـان موسى عليه السـلام : ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ).
(وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا ، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ،وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ً…).
يقول مصطفى خيري في المقتطف من عيون التفاسير : "هذا العدد إنما صار سبباً لفتنة الكفّار من وجهين :
1-يستهزئون ويقولون : لِمَ لَمْ يكونوا عشرين .
2- ويقولون : كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من أول الخليقة إلى يوم القيامة ، فمدار هذين السؤالين عدم الاعتراف بكمال قدرة الله ". واضح أن هذا يتعلق بالكافر الذي يقوده منهجه الخاطئ إلى نتائج خاطئة ، ولكن يبقى السؤال قائماً : كيف يمكن لهذا العدد أن يفرز معسكر الكفر ، ليخرج منه من يؤمن فيكون في معسكر الإيمان؟
أما كيف سيكون هذا العدد ، أو هذه الفتنة سبباً وعلةً ليقين أهل الكتاب ؟ فيقول أكثر أهل التفسير (( حيث يجدون ما أخبرنا به الله تعالى من عدّة أصحاب النار موافقاً لما ذكر عندهم )). فلا ندري كيف تكون المطابقة في معلومة مؤدية إلى يقين أهل الكتاب ؟ ونحن نعلم أن هناك مطابقة في قضايا مختلفة ، وهناك اختلاف أيضا ، وما الذي يمنع أن تفسر المطابقة أنها اقتباس ؟ وإذا كانت الموافقة في هذه المعلومة الصغيرة يمكن أن تؤدي إلى يقين أهل الكتاب ، وإلى ازدياد الذين آمنوا إيمانا، فكيف يمكن أن تقطع دابر الريبة : (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) . وهل يعقل أن ينتج كل هذا عن المطابقة في معلومة تقول إن خزنة جهنم هم تسعة عشر ؟
( وليقول الذين في قلوبـهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بـهذا مثلا ): يذهب الكثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى ( ماذا أراد الله بـهذا مثلا ً) إلى أن هذا العدد مستغرب استغراب المثل .وذهب آخرون إلى أنّ المثل هو الوصف، أي : ما الذي يعنيه من وصف الخزنة بأنـهم تسعة عشر ، فهذه العدة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس؟
ذهب الكثير من المفسرين إلى القول بأن هذه الآيات تخبر عما يحدث في المستقبل. ودعاهم إلى هذا القول أن السورة مكية ومن أوائل ما نزل ،ثم هي تتحدث عن المنافقين (الذين في قلوبـهم مرض ) ، والنفاق لم ينجم إلا في المدينة ، وهذا مقبول إلى حد ،ولكن تفسير المثل على أنه الوصف مع صحته لم يحل الإشكال في الفهم ،وسنحاول هنا أن ندلي برأي قد يساهم في تفسير الآية .
نقول :لو سألت يهودياً أو نصرانياً عن أدلة وجود الخالق لوجدته يقدم الأدلة بمنهجية المسلم تقريباً، وهي منهجية تخالف منهجية الملحد .ولو سألت يهودياً أو نصرانيا حول النبوّات والغيبيات لوجدته كذلك يدلل بمنهجية تشابه إلى حد منهجية المسلم ، إذ الخلاف ليس في الإيمان بالغيب ، وفي الفكرة الدينية ، بل في مطابقة الإيمان للواقع أو عدم مطابقته ،وهو خلاف أيضاً في تفصيلات الشريعة،ومن هنا لا يتجادل المسلمون وأهل الكتاب في وجود الخالق ، بل في صفاته وأفعاله وأحكامه وشرائعه . أما أهل الكفر والنفاق فينكرون الفكرة الدينية من أساسها ، ويجعلون المادة المحسوسة غاية الغايات، ونـهاية النهايات .
والآن لنعد إلى تفسير قوله تعالى : (وليقول الذين في قلوبـهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بـهذا مثلا ً) :لقد ذكر العدد (19) في معرض التهديد بـ(سقر ) وأنه يقوم عليها ( تسعة عشر )، ولا بد أن يستشكل الناس الأمر ، إذ لو وصفت النار بأنـها (محرقة ) لفهم ذلك ، لان لدينا المثل على الإحراق في الدنيا ، وإن اختلف في طبيعته عن الإحراق الأخروي ، حيث يمكن للمثل الدنيوي المحسوس أن يجعلنا نفهم المقصود بالتهديد .وكذلك الأمر لو قال (مؤلمة ) ، لأن لدينا المثل الدنيوي ، فقد خبرنا الألم ونعرفه . ولكن عندما يهددنا بـ (تسعة عشر ) فهذا لا مثل له، لأن التهديد بالعشرين أعظم من التسعة عشر . ثم ما الفرق بين السبعة عشر والتسعة عشر ؟!
يقول الزمخشري في الكشاف موضحاً ذلك "فيراه المؤمنون حكمة ، ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانا ،وينكره الكافرون ويشكون فيه، فيزيدهم كفراً وضلالاً ". وقال الكعبي : " المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الله الخالق سبحانه".كلام الزمخشري والكعبي مقبول وجميل . والذي نراه أن منهج الذين يؤمنون بالفكرة الدينية ،وبالأمور الغيبية ، وبالوحي السماوي ، يقتضي أن يبحثوا عن حكمة ذكر هذا العدد ، وعن حكمة كون القوى القائمة على أمر جهنم هي تسعة عشر ، فالأمر على ما يبدو يتعلق بسنة كونية ،والأصل أن نُعمل عقولنا مع تسليمنا بقصور العقل البشري ، فالقرآن وسّع من أفق المؤمن ، وصوّب منهجية التفكير لديه ،ودعاه إلى التفكر والتدبر .وليس هناك ما يدعونا إلى اعتبار القضية المطروحة من القضايا التي لا يعمل في فهمها العقل البشري .
يقول محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير : "فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا ،اقتضت ذلك الجعل ، يعلمها الله". نقول : لا شك أن الحكمة يعلمها الله ، ولكن هل هي مما استأثر بعلمه ؟؟ يقول ابن عاشور: ((وتلك العدة المجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا ، الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد )). لاحظ قوله "وإلى تدبر مفيد". فاعتقاد المؤمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله العليم الحكيم ،يجعله يقف الموقف الإيجابي ، فيعمل عقله ، ويتدبر آيات القرآن ، وآيات الكون المخلوق ، لعلمه بأن الله أنزل ، وبأن الله خلق . ومن هنا لا يصح أن نسارع إلى تفويض علم ذلك إلى الله تعالى ونقطع الأمل في إمكانية إعمال العقول في مثل هذه الكنوز والأسرار .ولا يتناقض سعينا إلى العلم والمعرفة مع تسليمنا بقصور العقل البشري عن إدراك كل الحقيقة ،بل إن الزيادة في المعرفة البشرية لهي الدليل القاطع على قصوره الدائم . ثم أليس التدبر من واجبات المسلم الأساسية ؟
"يأيها المدثرُ قمْ فأنذرْ وربَّك فكبرْ وثيابك فطهرْ والرُّجزَ فاهجر ولا تـَمْنن تستكثر ولربّك فاصبرْ فإذا نُقر فى الناقور فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ على الكفرينَ غيرُ يسيرٍ ذَرْني ومَنْ خَلقْتُ وحيداً وجعلتُ له مالاً ممدوداً وبنينَ شُهوداً ومهَّدتُّ له تمهيداً ثم يطمعُ أنْ أزيدَ كلا إنهُ كان لآيتناعنيداً سأُرهقُهُ صَعوداًإنه فكَّرَ وقَدَّرَ فقُتلَ كيف قَدَّرَ ثم قُتلَ كيفَ قَدَّرَ ثُم نَظَرَ ثم عَبَسَ وبَسَرَ ثم أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ فقال إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هذا إلا قَوْلُ البَشَرِ سَأُصْليهِ سَقَرُ وماأدركَ ما سَقَرُ لا تُبْقى ولا تَذَرُ لوّاحةٌ للبَشَرِعليها تِسعَةَ عَشَرَ وما جعلنا أَصحابَ النَّارِ إلا مَلئكةً وما جَعلنا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنةً للذينَ كَفروا لِيَسْتَيْقِنَ الذين أوتُوا الكتبَ ويَزْدادَ الذينَ ءَامنوا إيمناً ولا يَرْتابَ الذينَ أوتُوا الكتبَ والمؤمنونَ ولِيَقولَ الذينَ في قُلوبـِهِم مرضٌ والكفرونَ ماذا أرادَ اللهُ بِـهذا مَثلاً كَذلكَ يُضِلُّ اللهُ من يَشاءُ ويهدى من يَشاءُ وما يَعلمُ جُنودَ رَبِّكَ إلا هوَ وما هىَ إلا ذِكرى للبَشَرِ كَلا والقَمرِ والَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبحِ إذآ أسْفَرَ إنَّها لإحدى الكُبَرِ نَذيراً للبَشَرِ لِمَن شاءَ منكُمْ أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتأخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينةٌ إلا أصحبَ اليَمِينِ في جَنَّتٍ يَتَساءَلونَ عنِ المجرِمينَ ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قالوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسكينَ وكُنَّا نَخوضُ مَعَ الخآئضينَ وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ حتى أتنا اليَقينُ فَما تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعينَ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بَلْ يُريدُ كُلُّ امْرِئٍ منْهُمْ أَن يُؤْتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلا بَل لا يَخافونَ الآخِرَةَ كلا إِنَّه تَذْكِرَةٌ فَمَن شِاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إلا أَن يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ " صدق الله العظيم
سورة المدثر مدخل إلى الإعجاز العددي
(اقرأ باسم ربك الذي خلق ) هي أول ما نزل في النبوة ، بل أول ما نزل مطلقاً. أما(يا أيها المدثر ) فهي أول ما نزل في الرسالة. جاء في ( البرهان )للزركشي أن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف خاص . والرسالة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف عام . وما يهمنا في هذا المقام سورة (المدّثر ) ، والتي هي أول ما نزل في الرسالة. وبما أن السورة لم تَنْزِل جملة واحدة ، فإنها تسجل لحظات البداية ، وما تبعها من تكذيب ومعاندة، ومحاولات لإبطال الحقيقة القرآنية. كما وتتحدث السورة عن الإخفاق الذي مُني به أهل الشرك في مجال الحجة ،مما دعاهم إلى سلوك طريق المعاندة والإعراض شأن كل متكبر ، وشأن كل من تطغى على عقله وقلبه الشهوات والمصالح ، وشأن كل من يألف الواقع بسلبياته فينفر من كل تغيير وإن حمل الخير والبركة .هنا لا بد من صدمة التهديد والوعيد ، لإسقاط الحواجز والحجب، ولا بد من الشعور بالخطر لاستنفار الطاقات ، والخروج عن مألوف العادات والتقاليد ، فكان التهديد بـ(سقر ) وهي جهنم التي لا تبقي على شيء : (لا تبقي ولا تذر ) ، والتي من شأنـها أن تحرق فتغير كل معالم الجمال المؤقت الذي يَغترّ به الذاهلون عن حقيقة الدنيا الزائفة : (لواحة للبشر ، عليها تسعة عشر ). يقوم عليها (تسعة عشر ) من الملائكة ، يحتمل أن يكونوا تسعة عشر فردا من هذه المخلوقات الكريمة ، أو تسعة عشر نوعاً أو صنفاً لا ندري .
يقول سيد قطب في الظلال : ( أما لماذا كانوا تسعة عشر - أياً كان مدلول هذا العدد - فهو أمر يعلمه الله الذي ينسق الوجود كله ، ويخلق كل شيء بقدر ) . هذا كلام مقبول وجميل ، ولكن هل يعتبر العدد هنا من قبيل المتشابه الذي لا مطمع للإنسان في إدراك بعض حكمه ومراميه، أم أنّهُ الإشارة التي تطلق العقل البشري في اتجاه مفاتيح الكثير من المعاني والأسرار ؟ ! فالأصل أن يُعمل الكلام ولا يُهمل.
(عليها تسعة عشر ، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا … ): لقد فصّل القرآن الحديث حول هذا العدد اللغز : ( وما جعلنا عدتـهم إلا فتنة للذين كفروا …). ولا نريد هنا أن نتحدث عن معاني (جعل )، ولكن ببساطة نجد أن الآيات تنص على أن هذا العدد هو مجرد فتنة للذين كفروا ، وإذا رجعنا إلى معنى كلمة ( فتنة ) نجد أن الفتنة في الأصل هي عملية تعريض خام الذهب للنار ، من أجل تمييز الذهب عن باقي الشوائب بالصهر ، وعليه تكون كل عملية يقصد بـها استخراج الصالح وتمييزه عن الطالح (فتنة ). فالفئة المستهدفة إذن هي (معسكر الكفر). ومن شأن قضية (19) -كما نص القرآن الكريم - أن تكون (فرّازة ) تميز الصالح من غير الصالح . أمّا قول من قال من المفسرين بأن ذكر العدد (19) في الآية من شأنه أن يفتن المشركين من قريش بجعل المسألة موضعاً للبحث والهزء ، فإن هذا القول يجعل الفتنة ذات نتيجة سلبية فقط ، لا ينتج عنها خير ، في حين أن للفتنة وجوهاً ونتائج ترتبط بحقيقة كل فرد تعرض لها ، وما يعلم الله منه ، وما يريد عز وجل ،فيضّل الله من يشاء ، ويهدي من يشـاء . أنظر قوله تعالى في سورة الأعراف على لسـان موسى عليه السـلام : ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ).
(وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا ، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ،وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ً…).
يقول مصطفى خيري في المقتطف من عيون التفاسير : "هذا العدد إنما صار سبباً لفتنة الكفّار من وجهين :
1-يستهزئون ويقولون : لِمَ لَمْ يكونوا عشرين .
2- ويقولون : كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من أول الخليقة إلى يوم القيامة ، فمدار هذين السؤالين عدم الاعتراف بكمال قدرة الله ". واضح أن هذا يتعلق بالكافر الذي يقوده منهجه الخاطئ إلى نتائج خاطئة ، ولكن يبقى السؤال قائماً : كيف يمكن لهذا العدد أن يفرز معسكر الكفر ، ليخرج منه من يؤمن فيكون في معسكر الإيمان؟
أما كيف سيكون هذا العدد ، أو هذه الفتنة سبباً وعلةً ليقين أهل الكتاب ؟ فيقول أكثر أهل التفسير (( حيث يجدون ما أخبرنا به الله تعالى من عدّة أصحاب النار موافقاً لما ذكر عندهم )). فلا ندري كيف تكون المطابقة في معلومة مؤدية إلى يقين أهل الكتاب ؟ ونحن نعلم أن هناك مطابقة في قضايا مختلفة ، وهناك اختلاف أيضا ، وما الذي يمنع أن تفسر المطابقة أنها اقتباس ؟ وإذا كانت الموافقة في هذه المعلومة الصغيرة يمكن أن تؤدي إلى يقين أهل الكتاب ، وإلى ازدياد الذين آمنوا إيمانا، فكيف يمكن أن تقطع دابر الريبة : (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) . وهل يعقل أن ينتج كل هذا عن المطابقة في معلومة تقول إن خزنة جهنم هم تسعة عشر ؟
( وليقول الذين في قلوبـهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بـهذا مثلا ): يذهب الكثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى ( ماذا أراد الله بـهذا مثلا ً) إلى أن هذا العدد مستغرب استغراب المثل .وذهب آخرون إلى أنّ المثل هو الوصف، أي : ما الذي يعنيه من وصف الخزنة بأنـهم تسعة عشر ، فهذه العدة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس؟
ذهب الكثير من المفسرين إلى القول بأن هذه الآيات تخبر عما يحدث في المستقبل. ودعاهم إلى هذا القول أن السورة مكية ومن أوائل ما نزل ،ثم هي تتحدث عن المنافقين (الذين في قلوبـهم مرض ) ، والنفاق لم ينجم إلا في المدينة ، وهذا مقبول إلى حد ،ولكن تفسير المثل على أنه الوصف مع صحته لم يحل الإشكال في الفهم ،وسنحاول هنا أن ندلي برأي قد يساهم في تفسير الآية .
نقول :لو سألت يهودياً أو نصرانياً عن أدلة وجود الخالق لوجدته يقدم الأدلة بمنهجية المسلم تقريباً، وهي منهجية تخالف منهجية الملحد .ولو سألت يهودياً أو نصرانيا حول النبوّات والغيبيات لوجدته كذلك يدلل بمنهجية تشابه إلى حد منهجية المسلم ، إذ الخلاف ليس في الإيمان بالغيب ، وفي الفكرة الدينية ، بل في مطابقة الإيمان للواقع أو عدم مطابقته ،وهو خلاف أيضاً في تفصيلات الشريعة،ومن هنا لا يتجادل المسلمون وأهل الكتاب في وجود الخالق ، بل في صفاته وأفعاله وأحكامه وشرائعه . أما أهل الكفر والنفاق فينكرون الفكرة الدينية من أساسها ، ويجعلون المادة المحسوسة غاية الغايات، ونـهاية النهايات .
والآن لنعد إلى تفسير قوله تعالى : (وليقول الذين في قلوبـهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بـهذا مثلا ً) :لقد ذكر العدد (19) في معرض التهديد بـ(سقر ) وأنه يقوم عليها ( تسعة عشر )، ولا بد أن يستشكل الناس الأمر ، إذ لو وصفت النار بأنـها (محرقة ) لفهم ذلك ، لان لدينا المثل على الإحراق في الدنيا ، وإن اختلف في طبيعته عن الإحراق الأخروي ، حيث يمكن للمثل الدنيوي المحسوس أن يجعلنا نفهم المقصود بالتهديد .وكذلك الأمر لو قال (مؤلمة ) ، لأن لدينا المثل الدنيوي ، فقد خبرنا الألم ونعرفه . ولكن عندما يهددنا بـ (تسعة عشر ) فهذا لا مثل له، لأن التهديد بالعشرين أعظم من التسعة عشر . ثم ما الفرق بين السبعة عشر والتسعة عشر ؟!
يقول الزمخشري في الكشاف موضحاً ذلك "فيراه المؤمنون حكمة ، ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانا ،وينكره الكافرون ويشكون فيه، فيزيدهم كفراً وضلالاً ". وقال الكعبي : " المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الله الخالق سبحانه".كلام الزمخشري والكعبي مقبول وجميل . والذي نراه أن منهج الذين يؤمنون بالفكرة الدينية ،وبالأمور الغيبية ، وبالوحي السماوي ، يقتضي أن يبحثوا عن حكمة ذكر هذا العدد ، وعن حكمة كون القوى القائمة على أمر جهنم هي تسعة عشر ، فالأمر على ما يبدو يتعلق بسنة كونية ،والأصل أن نُعمل عقولنا مع تسليمنا بقصور العقل البشري ، فالقرآن وسّع من أفق المؤمن ، وصوّب منهجية التفكير لديه ،ودعاه إلى التفكر والتدبر .وليس هناك ما يدعونا إلى اعتبار القضية المطروحة من القضايا التي لا يعمل في فهمها العقل البشري .
يقول محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير : "فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا ،اقتضت ذلك الجعل ، يعلمها الله". نقول : لا شك أن الحكمة يعلمها الله ، ولكن هل هي مما استأثر بعلمه ؟؟ يقول ابن عاشور: ((وتلك العدة المجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا ، الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد )). لاحظ قوله "وإلى تدبر مفيد". فاعتقاد المؤمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله العليم الحكيم ،يجعله يقف الموقف الإيجابي ، فيعمل عقله ، ويتدبر آيات القرآن ، وآيات الكون المخلوق ، لعلمه بأن الله أنزل ، وبأن الله خلق . ومن هنا لا يصح أن نسارع إلى تفويض علم ذلك إلى الله تعالى ونقطع الأمل في إمكانية إعمال العقول في مثل هذه الكنوز والأسرار .ولا يتناقض سعينا إلى العلم والمعرفة مع تسليمنا بقصور العقل البشري عن إدراك كل الحقيقة ،بل إن الزيادة في المعرفة البشرية لهي الدليل القاطع على قصوره الدائم . ثم أليس التدبر من واجبات المسلم الأساسية ؟