مشاهدة النسخة كاملة : الطهارة أثناء الطواف
محب العثيمين
03-23-2004, 11:57 AM
من المعلوم أن الأصل في العبادات أنها توقيفية عكس العادات والسؤال:
ما الصحيح من الأدلة وأقوال أهل العلم فيمن قال بأن الطواف حول البيت لا يلزم في صحته الطهارة من الحدث الأصغر ولايبطل من دونها؟؟؟
ناصر الدين
03-23-2004, 04:54 PM
السلام عليكم أخي الفاضل ورحمة الله وبركاته،
كأن الصحيح في المسألة - والعلم عند الله - أن الطهارة شرط لصحة الطواف.
ودليله منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وغيرها من الصحابيات رضي الله عنهن من الطواف حال الحدث الأكبر.
ويستدل لذلك أيضاً بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن طوافكم بالبيت صلاة إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام ) فيؤخذ منه اشتراط الطهارة كما في الصلاة.
ثم دليل ثالث كذلك - لكن ما رأيت من استدل به من أهل العلم، وهذا يضعفه في نظري، لكن لا يمنع الاستدلال به - وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف على طهارة، بدليل أنه صلى بعد الطواف من غير أن يتوضأ، فيستصحب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( خذوا عني مناسككم )، ففعله للطهارة هنا واجب من حيث أنه بيان لمجمل واجب، والله تعالى أعلم.
وعلى هذا القول - أعني اشتراط الطهارة - الجمهور خلافاً للحنفية. ثم فعله أحوط وأطمن للنفس، بل وأكثر أجراً.
هذا ما هو عالق في ذهني الآن، ولعلي إن راجعتها وجدت خيراً شاركتك نفعه، والحمد لله رب العالمين.
محب العثيمين
03-25-2004, 03:20 PM
الأخ الفاضل ناصر الدين حفظه الله :
ليس بغريب عليك اهتمامك بالمسائل العلمية وأشكر لك هذا التفاعل الإيجابي.
أما بالنسبة للإجابات التي سطرتها في ردك فهي كالتالي:
قلت ان الطهارة شرط لصحة الطواف أي أنه يبطل من دونه ولايصح سواءا كان الحدث أكبرا أو أصغر.ولاشك أن استدلالك في منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وغيرها من الصحابيات رضي الله عنهن من الطواف حال الحدث الأكبر لهو دليل راجح على غيره ولكن هذا المنع في الحدث الأكبر من حيض أو نفاس ولكن من طاف محدثا حدثا أصغر سواءا كان عامدا او جاهلا؟
فقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافا كبيرا وقد توسع شيخ الإسلام رحمه الله في المسألة وذكر في مجموع الفتاوى ما نصه: ومعلوم أن الذي طاف على غير طهارة متعمدا آثم ويفهم مما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن طوافه صحيح ولايبطل ولكن عليه إثم.
وأما استدلالك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: [ إن طوافكم بالبيت صلاة إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام ] فيؤخذ منه اشتراط الطهارة كما في الصلاة.
فأقول: قال المالكية والشافعية وبعض من أصحاب أحمد أن الطهارة شرط لصحة الطواف لقوله صلى الله عليه وآله وسلم[ الطواف بالبيت صلاة ]
ولكن الأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك . حيث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوجب على الطائفين طهارة ولا اجتناب نجاسة بل قال : [ مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ] والطواف ليس كذلك فالطواف لا يجب فيه ما يجب في الصلاة ولا يحرم فيه ما يحرم في الصلاة فبطل أن يكون مثلها .
وكذلك يجوز قطع الطواف لعذر كإقامة الصلاة المكتوبة وإكماله عند ما انتهى منه قبل قطعه، قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى فيما معناه : " من طاف أول النهار ثم قطع طوافه لحاجة جاز له اتمامه آخر نهار اليوم نفسه". وأيضا الحركة والمشي والكلام والإلتفات تشرع في الطواف وتحرم في الصلاة. وعليه فإن قياس معنى أفعال الطواف بشروط الصلاة باطل لما ذكرته آنفا.
أما الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ خذو عني مناسككم ] فمن المعلوم ان هذا القول قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع فلقد حج قارنا وساق الهدي وبات في منى ليلة الثامن والمبيت ليس شرطا لصحة الحج وفدى بمئة من الإبل وغيرها من الأفعال التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعلها وهي لاتعني الوجوب.
والله تعالى أجل وأعلى وأعلم.
هذا ما فتح الله على فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فمني ومن الشيطان.
وأسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا ويهدينا سبيل الرشاد والحمد لله رب العالمين
ناصر الدين
03-25-2004, 08:55 PM
السلام عليك أخي الفاضل ورحمة الله وبركاته،
وبارك الله فيك على ما كتبت، فيعلم الله أني انتفعت به كثيراً؛
لكن كان لي فيه مناقشات، أسأل الله أن يهدينا الله بها إلى الحق،
فحديثنا عن نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعن ثلاثة أدلة، فأذكرها على الترتيب:
1. قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا يؤخذ منه الإجزاء، إذ تعلم بارك الله فيك أن الإثم إلى عدم الإجزاء أقرب منه إلى الإجزاء. هذا أولاً.
ثم أقول: إن كان طوافه صحيحاً عند شيخ الإسلام، فلم أثمه إذاً؟!
ثم تعلم بارك الله فيك أن النهي إن كان عائداً إلى ذات المنهي أو كان مختصاً به استلزم فساده. والنهي يلزم منه إثم من فعل المنهي عنه إن كان للتحريم. فعلم أن من أفسد عبادته عامداً فهو آثم. فلعل هذا هو توجيه كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
2. الدليل الأول: وهو نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحيض عن الطواف.
ووجه البحث فيه أني ادعيت أنه ينسحب على الحدث الأكبر والأصغر بكل أنواعه، وتفضلتم أنه يختص بالأكبر وحده دون الأصغر.
فيكون وجه الخلاف في أني عممت العلة في أنها الحدث، وأنتم خصصتموها في أنها الحدث الأكبر. فيفتقر كل منا إلى دليل. فإن قلت لي: الحدث بالحيض أشد منه بالبول مثلاً، قلت لك: والحدث بالحيض أشد منه بالجنابة. فيظل الإشكال.
ويؤكد أنه مطلق الحدث ما جاء في حديث منع النبي عائشة من الطواف بسبب الحيض، قال: ( ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ) صحيح أبي داود. فتأمل كيف شرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الطواف والصلاة، وأظن أي امرأة يوجه لها النبي هذا الخطاب لن تفهم إلا أن حكم الطهارة في الطواف كحكمه في الصلاة.
3. الدليل الثاني: ( إن طوافكم بالبيت صلاة ).
فالذي يقال فيه أنه يأخذ أحكام الصلاة في ما لم يدل دليل على خلافه، إذ هو لفظ عام، ولا يخرج فرداُ من عمومه بالتخصيص إلا نص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا شيء من ذلك حاصل في مسألة الطهارة. فيستصحب العموم، والله أعلم.
أما ما ذكرت مشكوراً فهو مما دل الدليل على تخصيص الصلاة به.
4. الدليل الثالث: ( خذوا عني مناسككم ) مع فعل النبي.
فهذا استدلال مني بالفعل، ولا يكون الفعل هو الحجة على الوجوب إلا مع خلو المسألة من تصريح بالقول أو الإجماع. وما ذكرت بارك الله فيك هو مما دل دليل خارجي على عدم وجوبه. أما الطهارة فلا دليل يخرجها عن الأصل، وهو الوجوب.
فهذا ما تيسر لي باختصار الآن، ولعلك شحذت مني همة لبحث المسألة ومراجعتها، فإن يسر الله لي، جمعت فيها ما ينفعنا.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، إنه هو العليم الحكيم.
وكتبه أخوك فيصل القلاف
محب العثيمين
03-27-2004, 11:28 AM
السلام عليك أخي الحبيب ورحمة الله وبركاته،
فقد تيسر لي أن اطلعت على ما كتب شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله رحمة واسعة حول هذه المسألة في كتاب " الشرح الممتع على زاد المستنع " المجلد السابع كتاب المناسك حيث ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في ص 297 قوله: [ وذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : إلى أنه لا يشترط الوضوء للطواف]
وذكررحمه الله تعالى في الحاشية كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفتاوي 21/273 :
والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلا، فلإنه لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ولا صحيح انه أمر بالوضوء للطواف، ومع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرا متعددة، والناس يعتمرون معه، ولو كان الوضوء فرضا للطواف لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على وجوب فإنه كان يتوضأ لكل صلاة وقد قال : لإني كرهت ان أذكر الله على غير طهر فتيمم لرد السلام". انتهى كلامه رحمه الله
نص مقتبس من رسالة : ناصر الدين
ويؤكد أنه مطلق الحدث ما جاء في حديث منع النبي عائشة من الطواف بسبب الحيض، قال: ( ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ) صحيح أبي داود. فتأمل كيف شرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الطواف والصلاة، وأظن أي امرأة يوجه لها النبي هذا الخطاب لن تفهم إلا أن حكم الطهارة في الطواف كحكمه في الصلاة.
وأما فيما يخص هذه الجزئية فأنقل لك كلام الشيخ رحمه الله تعالى في نفس المصدر السابق صفحة 299/200 حيث ذكر ما نصه:
وأما الاستدلال بقوله تعالى: { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] ، فهذا أمر بتطهير البيت من الشرك وأهله، ومن النجاسة أيضاً، كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بصب الماء على مكان نجاسة الأعرابي في مسجد المدينة، فلا يلزم من وجوب تطهيره من الخبث، أن يجب على الطائف بالبيت أن يكون طاهراً من الحدث؛ لأنه لو لزم من ذلك لقلنا يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام، وإن لم يرد الطواف، ولو كان كذلك أيضاً لكان مناقضاً لقول الرسول - عليه الصلاة والسلام -: "المؤمن لا ينجس" ، ولو كان كذلك لوجب على المعتكف أن يكون طاهراً من الحدث. وأما حديث عائشة، وحديث صفية - رضي الله عنهما - فليست العلة عدم الطهارة، وإنما العلة عدم جواز مكث الحائض في المسجد، وهذا لا يستلزم وجوب الطهارة في الطواف، ولهذا كان القول الراجح أن المرأة إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضها كان ذلك جائزاً، لكن تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر، أي: تجعل ما يحفظ فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد.
وهذا الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها بلا شك أفضل وأكمل وأتبع للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحياناً يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام، مثل لو أحدث أثناء طوافه في زحام شديد، فالقول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ ثم يأتي في هذا الزحام الشديد لا سيما إذا لم يبق عليه إلا بعض شوط ففيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة ولم يظهر فيها النص ظهوراً بيناً، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} [البقرة: 185] ..
أرجو من الله جل وعلى أن يعفو عنا وعنكم ويرزقنا وإياكم علما نافعا وعملا صالحا كما أن يكون ما نكتب أو نقول خالصا لوجه الكريم وطمعا في رضاه.
ناصر الدين
03-29-2004, 04:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليك أخي محب العثيمين ورحمة الله وبركاته.
وجزاك الله خيراً على ما نفعتني به، فقد قرأت ما كتبتَ مشكوراً، وأحببت أن نواصل تدارسنا لحكم الطهارة في الطواف، عسى أن نهتدي للصواب، أو على الأقل نتقن المسألة ونعرف وجهة الأقوال والأدلة فيها.
أما عما نقلت مشكوراً عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهذا جديد مفيد وما كنت أعرفه من قبل، فجزاك الله خيراً. لكن لنعلم أن كلامه المنقول في الموضوع السابق لا يفيد بذاته أنه لا يرى اشتراط الطهارة في الطواف.
ثم ما نقلت أخي عن شيخ الإسلام رحمه الله أن القائلين باشتراط الطهارة لا حجة لهم أصلاً، فيظهر – والله أعلم – أنه غير صحيح، لما سبق من الاستدلال، وأكرره هنا، مع بيان وجه الاستدلال:
1. أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة ألا تطوف حتى تطهر.
وجه الدلالة أنه بين لها امتناع طوافها من غير طهارة، وصحته مع الطهارة، وهذه حقيقة الشرط.
ويلحظ كذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علق جواز طوافها على الطهارة، فقال: ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ).
فجعل العلة عدم الطهارة، وليس مجرد الحيض. بمعنى أنه لو انقطع الحيض ولم تغتسل، فإنها لم تطهر، وبالتالي لم يجز لها الطواف، والله أعلم.
لكن يبقى احتمال اختصاصه بالحدث الأكبر دون الأصغر.
فإما أن نحمل الحديث على الطهارة من الحدث كله أكبره وأصغره، أو من الحدث الأكبر وحده. فالأول متيقن جوازه، والثاني لا دليل على صحته، واليقين أولى بنا من الشك. وهذا ما يسمى باستصحاب الإجماع، وليس بحجة على الصحيح.
فلا يبقى لنا إلا ما يؤيد هذا الفهم من الأدلة الآتية، إذ أعترف أن هذا الدليل لا يكفي وحده للمطلوب، لاحتمال إرادة الحدث الأكبر، والله أعلم.
2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام ).
وجه الدلالة أن الطواف له ما للصلاة من شروط ومبطلات وغيرها، إلا فيما دل الدليل على افتراقهما فيه، والطهارة مما لم يدل دليل على افتراقهما فيه، فيستصحب العموم.
وهذا بيان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
3. فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أنه طاف متوضئاً، وهذا الفعل واجب لأنه بيان لمجمل واجب، وهو قوله تعالى: ( ولله على الناس حج البيت )، مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( خذوا عني مناسككم ).
ومعلوم أن كثيراً من أعمال الحج لا يعلم حكم وجوبها – على الصحيح – إلا بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل لا بد من بيان عام، قيل البيان قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( خذوا عني مناسككم ).
ومن تلك الأفعال المبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى ليالي التشريق، وجعل الكعبة عن شمال الطائف، والابتداء بالصفا قبل المروة، وغيرها، والله تعالى أعلم.
وفيما سبق جواب عن كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن نفي وجود البيان العام ونفي كون فعله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المسألة واجب.
ثم تفسير العلامة ابن عثيمين رحمه الله للآية لا غبار عليه، ولهذا لم أذكرها في الأدلة على وجوب الطهارة. فالتطهير فيها تطهير معنوي وعيني، أي من المنكرات ومن النجس، وليس المسلم بواحد منهما على كل حال.
أما ما ذكره رحمه الله من أن العلة من منع الحائض من الطواف هي حرمة مكثها في المسجد، إذ لا يكون الطواف إلى في المسجد، فغير مسلَّم، إذ الصحيح في المسألة جواز دخول الحائض – والجنب – المسجد من غير كراهة، والله أعلم.
والبيان الشافي في هذه المسألة في كتاب ( الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب ) للعلامة الألباني رحمه الله.
فيمتنع بذلك أن تكون العلة هي منع الحائض من المكث في المسجد، فلم يبق إلا أنها منع الحائض من الطواف لكونها محدثة، أو بزيادة قيد الحدث الأكبر، لكن يؤيد الأول الحديث السابق. وقد مر الكلام على هذا في النقطة رقم ( 1 ).
ثم ما ذكره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله من الحرج الحاصل بانتقاض الطهارة حال الطواف مع شدة الزحام، فهو لا يزيد عن الحرج الحاصل إذا رمى الرجل خمس جمار وطاشت منه جمرتان، فيلزمه الخروج لجمع الحصوتان والعودة من جديد، لا سيما إن كان ذلك في اليوم الثاني وكان متعجلاً.
لكن يقال: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإن استطاع أن يأتي بالواجب، فلا محيص عنه، وإن لم يستطع أتى بالرخصة إن كان له بدل، وإلا سقط عنه بالكلية استصحاباً لأصل رفع التكليف بالعجز.
وختاماً أنبه على ما كنتُ ذكرت سابقاً من استدلال بقوله صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح أبي داود: ( غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي ) فقلتُ: أنه يؤخذ منه أن حكم الطهارة في الصيام كحكمها في الصلاة.
وهذا خطأ، لأنه لايعدو أن يكون كقولهم للحائض: ( لا تصلي ولا تقرئي القرآن حتى تطهري ) مع اختلاف الطهارة المقصودة في كل من الصلاة والقراءة، فهي من الحدث الأصغر للصلاة ومن الأكبر للقراءة.
ونظير ذلك قوله تعالى: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) عليه الصلاة السلام. فمعنى الفعل ( يصلون ) يختلف باختلاف ما يعود عليه، فهو الرحمة الخاصة من الله، والدعاء من الملائكة. ولهذا نظائر، والله أعلم.
والمسألة إن شاء الله مما تختلف فيه الأنظار، ولا ينكر فيه على المخالف.
لكن ترجح عندي - والله أعلم - أن الطهارة من الحدث الأصغر واجبة للطواف، لما سبق، ثم هو قول أحوط، وعليه الجمهور، فيكون القلب إليه أطمن، والله أعلم.
وكتبه أخوك فيصل سيد القلاف
محب العثيمين
04-03-2004, 10:14 AM
الأخ ناصر الدين حفظه الله:
لا خلاف بالأحوط والاستحباب. ولكن الكلام على إفساد طواف المحدث حدثا اصغر.
أما قولك [ أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله لا يفيد بذاته الشرطية ] فأقول : بل يفيد عدم الشرطية لا سيما إذا رجعت إلى النص الوارد في مجموع الفتاوى (21/274) بالتفصيل وكذلك ما نقل عنه أخص تلاميذه ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن (1/54).
أما القول عن كلام شيخ الإسلام رحمه الله أن القائلين بالاشتراط لا حجة لهم أصلا - إنه بالترجيح فأقول:
مقصد شيخ الإسلام رحمه الله – والله أعلم – لا حجة راجحة تفيد الشرطية أو الوجوب، وإلا كل محتج بحجة وعنده راجحة وإن كانت غير راجحة في نفس الأمر.
وتمعن بارك الله فيك في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة رضي الله عنها (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) ولم يقل تتطهري.
وذكرت أن العلة ليست بمجرد الحيض بمعنى أنه لو انقطع الحيض ولم تغتسل فإنها لم تطهره أقول بل تطهر ولكن لم تتطهر.
يقول الشيخ محمد صبحي بن حسن حلاق في كتاب " اللباب في فقه السنة والكتاب" صفحة (19) باب الطهارة ما نصه: وذكر أهل التفسير أن الطهارة في القرآن على ثلاثة عشر وجها:
أحدها: انقطاع دم الحيض ومنه قوله تعالى في سورة البقرة آية (222)( لا تقربوهن حتى يطهرن ).
والثاني: الاغتسال، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة آية (222)( فإذا تطهرن فإتوهن ) وفي سورة المائدة ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ).
ونستنتج مما سبق ذكره أن الحائض تعتبر طاهر بانقطاع الدم ونزول القصة البيضاء ولكن عليها الإغتسال حتى تتطهر طهارة تامة.
وقولك [ فإما أن نحمل الحديث على الطهارة من الحدث كله أكبره وأصغره، أو من الحدث الأكبر وحده. فالأول متيقن جوازه والثاني لا دليل على صحته] أقول: أن الأول مشكوك والثاني محل البراءة الأصلية ولا يجوز قياس الحدث الأصغر على الحدث الأكبر لكثرة الفروق بينهما ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1- أن الحائض لا تصوم بينما المحدث يصوم.
2- لا يجوز للحائض الجلوس والمكوث في المصلى بينما يجوز للمحدث حدثا أصغرا. والدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم جميع الحيّض في صلاة العيدين أن يشهدن الخير مع المسلمين ولكن أمرهن بأن يعتزلن المصلى.
بل حتى الجنابة كذلك لا تقاس على الحيض مثال ذلك أن الجنب يجوز له الصوم بينما لا يجوز للحائض.
إذاً نأتي الآن إلى العلة من منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحائض والنفساء من الطواف؟ فالعلة – والله أعلم – لئلا يخرج منهما ما ينجس المسجد. وكذلك أن الطهارة للحائض والنفساء تكون بأمرين :
" أولهما انقطاع الدم وثانيهما الاغتسال " وكلا الأمرين لا يصدقان المحدث حدثا أصغرا فقياسه على الحائض قياس مع الفارق.
استدلالك ( أن الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام ) فأقول:
1- هذا الحديث لا يصح مرفوعا وإنما أثر صح من قول ابن عباس رضي الله عنه. راجع مجموع الفتاوى (21/274) و تهذيب السنن (1/55).
2- لو كان الأمر كذلك لأصبحت كل أركان وواجبات الصلاة هي للطواف ولكن الأمر ليس كذلك.
3- النص إذا كثرت الاستثناءات منه ضعف الاحتجاج به، هذا إذا كان مرفوعا فكيف إذا كان موقوفا!!!.
ولكن مقصود ابن عباس- والله أعلم - : أن الطواف من أعظم القرب كالصلاة يجوز في كل حين لا كالصيام والحج في أوقات خاصة.
والذي يبين ضعف الاستدلال أيضا زيادة على ما ذكر أنه قد ثبت في المرفوع ( إذا خرج أحدكم عامدا إلى الصلاة فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) وقوله أيضا:(فإن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) وبإجماع أهل العلم أنه لا يلزم العامد إلى الصلاة أو منتظر الصلاة ما يلزم المصلي من شروط وواجبات.
إذاً نستنتج مما سبق ذكره أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالوضوء قبل الطواف ولم يثبت أيضا عن أحد من أصحابه أنه أمر بذلك، ولو كان الطواف لا يصح إلا بوضوء لبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة كما بين لهم أنه لا يصح أن يطوف بالبيت العريان لقوله صلى الله عليه وسلم لمن بعثه بالحج قبل حجة الوداع أن ينادي (..ولا يطوف بالبيت عريان) و النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة وهذا مما تحتاجه الأمة عموما ولو ذكر لتوفرت الدواعي على نقله.
وأما حديث: ( خذوا عني مناسككم ) فقد ذكر ابن القيم رحمه قاعدة هامة فقال في تهذيب السنن ( 1/53) :
" الفعل لا يدل على الوجوب، والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل في حجته أشياء كثيرة جدا لم يوجبها أحد من الفقهاء."
فكيف نميز السنن المؤكدة " كالرمل والاضطباع وشرب ماء زمزم والسعي في بطن الوادي والدعاء بين الجمرتين وطواف القدوم والتكبير عند الرمي والنزول في نمرة والصلاة في عرفة الظهر والعصر والصلاة خلف المقام " كل ذلك لم يأتي دليل بنفيها ولا بسقوطها عن الحاج فكيف نفصله عن الواجبات إن كان الحديث (خذوا عني مناسككم ) يدل على وجوب كل فعله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك كثرة الاستثناءات تضعف الاحتجاج بالنص ما لم تأت قرينة. انظر الفتاوى (29/116).
فكل ما ذكر وغيره مستثنى من الوجوب، فيضعف الاحتجاج بعموم قوله (خذوا عني مناسككم ) على أن فعله يفيد الوجوب.
راجع رسالته الدكتوراه للشيخ عمر الأشقر بعنوان" أفعال الرسول ومدى احتجاجها على الأحكام الشرعية " صفحة (297)
وأما ما ذكرت تعليقا على كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله [ أنه يلزم فيمن طاشت منه جمرتان الخروج لجمع الحصوتين والعودة من جديد.] فأقول: بل لا يلزمه لأنه ليس هناك أمر في ذلك. ويجزيء أقل من سبع في رواية عن عطاء ورواية عن أحمد وأبي حبة الأنصاري وابن عمر.
(( روى عبد الرزاق بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو بن عثمان أنه سمع أبا حبة الأنصاري يفتي بأنه لا بأس بما رمى به الانسان من عدد الحصى فجاء عبدالله إلى ابن عمر فأخبره فقال: صدق أبوحبة)) المحلى 7/134
هذا ما أردت بيانه فإن أصبت فمن الله وحده وفضله وما أخطأت به فمني والشيطان.
وأسال الله تعالى أن يجمعنا وإياكم على طاعته وأن يحشرنا مع خير صفوته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ناصر الدين
04-09-2004, 08:36 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي الفاضل محب العثيمين نفع الله به وبما يكتب.
فقد قرأت ما كتبت فسرني جداً، سرني اتباعك للدليل وتعظيمه، فأسأل الله لي ولك الأجر، جزاء ما طلبنا من اتباع شريعته.
ويعلم الله أني استفدت مما ذكرت فوائد جمة، لا سيما ما ذكرت في مسألة ضعف الاستدلال بما كثر الاستثناء منه، وكذلك مسألة وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحج، وغيرها، فقد فتحت عندي أبواب بحث أسأل الله أن ييسرها لي.
وإتماماً للمباحثة أذكر بعض كلمات على إشكالات أو توضيحات لازمة.
الأول قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: ( لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ).
فقد جاء صريحاً في صحيح مسلم بلفظ: ( غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ).
وكذلك ضبط الحافظ ابن حجر رحمه الله رواية البخاري ( غير أن لا تطوفي حتى تطهري ) بتشديد الطاء والهاء ( تطَّهَّري ) أو تخفيف الطاء وتشديد الهاء ( تطَهَّري ) بمعنى ( تتطهري ) وذلك موافقة لرواية مسلم.
وهذا حاسم في محل النزاع، ولم أذكره من قبل لأني لم أكن قد اطلعت عليه، فلله الحمد.
الثاني في أن من معاني الطهارة انقطاع الحيض.
فهذا غير مسلَّم.
وما ذكره الشيخ جزاه الله خيراً مدفوع بتمام الآية.
يقول تعالى: ( ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فائتوهن من حيث أمركم الله ). فأول شق يحرم إتيان المرأة حتى تطهر، والشق الثاني يأمر بإتيانها متى اغتسلت. فبان بالشق الثاني أن الطهارة - التي هي الغاية - هي الغسل، والله أعلم.
ويثبت ذلك أن القراءة الأخرى: ( ولا تقربوهن حتى يطّهّرن ) بتشديد الطاء والهاء.
الثالث في اعتراضك على استدلالي باستصحاب الإجماع.
وقد ذكرتُ بعد ذكري له أنه ليس بحجة على الصحيح.
وكذلك قد ضعفتُ قياس الحدث الأصغر على الحدث الأكبر.
لكن كنت ذكرتهما للإلمام لا للاعتماد، وقد بينتُ ذلك من قبل.
الرابع هو تعليلك - بارك الله فيك - منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحائض من الطواف بخشية النجاسة على المسجد.
فهذا غير مسلَّم أبداً، لأن مقتضاه جواز طوافها إن أمنت النجاسة، ويمكن أن تأمن بلبس الخرق أو الحفاظات أو غيرها، فهل يجوز لها عندئذ الطواف؟!
لا أظنك - بارك الله فيك – تلتزمه.
فإن التزمته فقد خالفت نص الحديث: ( غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ) وإن لم تلتزمه فقد قبلت بطلانه، إذ بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
الخامس في درجة حديث ( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام ).
فقد صححه العلامة الألباني رحمه الله، واستدل به كثير من العلماء رحمهم الله كابن قدامة في المغني.
السادس في ضعف الاستدلال بما كثر الاستثناء منه.
فهذا أمر جديد علي ولا أخفيك، وأحتاج أن أراجع في هذه المسألة.
لكن يظل عندي من النصوص المتفق على الاستدلال لما بقي من عمومها ما كثر الاستثناء منه، ومن ذلك قوله تعالى: ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) فقد استثني منه لحوم الحمر الأهلية والسباع وجوارح الطير وكل ضار والمستخبثات والجلالة والفواسق وما نهي عن قتله ذبائح غير أهل الكتاب وغيرها.
فمع كثرة ما استثني من هذه الآية تظل حجة فيما بقي ولم يستثن.
ثم ما حد الكثرة التي يمتنع معها الاستدلال بما بقي؟ ثم إن لم نستدل به على ما بقي فما تكون فائدة ذلك النص الذي كثر الاستثناء منه؟
إجابات تحتاج مراجعة سؤالاً، والله أعلم.
السابع قولك - بارك الله فيك - أنه يلزم من الاستدلال بالحديث إثبات كل ركن أو شرط في الصلاة للطواف ما لم يدل على التفرقة نص.
فألتزم ذلك، لكن أزيد: أو إجماع.
فالصحيح جواز تخصيص أو تقييد نصوص الكتاب والسنة بالإجماع، لا أن الإجماع هو المقيد أو المخصص، حاشا وكلا، لكن هو دال على المقصود من ألفاظ الكتاب والسنة.
ومن ذلك حديث ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) فيقيد بما لم يغير أحد أوصافه، والله أعلم.
الثامن حديثا ( فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة ) و ( فإن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ).
فأسلم لك أن وجه استدلالك بهما قوي.
لكن يحتمل أن الفرق بين هذين الحديثين وحديث الطواف أن هذان متفق على تأويلهما عن ظاهرهما، والإجماع دليل يصرف عن الظاهر إلى المؤول.
أما حديث الطواف فلا دليل عندنا لنصرفه عن ظاهره إلى غيره، والله أعلم.
وأرجو أن أراجعه متى تيسر إن شاء الله.
التاسع فيما ذكرت - بارك الله فيك - أن أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحج لا تفيد الوجوب.
فأقول نعم الأصل أنها للاستحباب، لكن جاءت هنا في بيان مجمل واجب، وهو قوله تعالى: ( ولله على الناس حج البيت ) وقوله تعالى: ( وليطوفوا بالبيت العتيق )، ثم هو مقتضى الأمر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( خذوا عني مناسككم ).
أما سؤالك كيف نميز بين المستحب والواجب منها، فالجواب أن ما دل الدليل على استثنائه من الوجوب إلى الاستحباب فيعمل بالدليل. والدليل إما نص أو إجماع أو قياس. فما لم يقل بوجوبه أحد فذلك دليل على أنه مجمع على استثنائه. والله أعلم.
العاشر تنبيه أن رسالة الدكتوراة المذكورة أعتقد أنها للشيخ محمد سليمان الأشقر لا الشيخ عمر الأشقر، والله أعلم.
الحادي عشر في مناقشة عدد الجمرات فهذ موضوع آخر، لكن الصحيح – فيما تعلمتُه - أنه يجب العدد في الجمرات.
لكن يظل التمثيل الذي أردته قائماً فيما إذا طاشت كل الجمرات، والله المستعان.
فهذه نقاط أحببت الإشارة إليها، ولا يعني ذلك انتقاصاً لما كتبت مشكوراً، بل في كلامك من الفائدة ما لا يحصى، ولعل الصواب فيما ذكرتَ بارك الله فيك.
وأعتذر عن التأخر في الرد، فليس ذلك قلة اهتمام والله العالم، وإنما هو ضيق الوقت وقصر الأعمار، والله المستعان، وبه التوفيق وعليه التكلان.
والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
وكتبه محبك في الله / فيصل سيد القلاف
محب العثيمين
04-18-2004, 12:30 PM
الأخ الحبيب ناصر الدين حفظه الله ورعاه :
عذرا على التأخير لأن الموضوع يستحق البحث والعناء.
وبعد هذه المحاورات الهادفة بإذن الله تعالى تبين لي أن الأدلة المعول عليها بالمسألة ثلاث وغيرها إما للإعتضاد أو إلزامات.
وبحسم هذه الأدلة يرفع أو يخف الخلاف ، وهي كالتالي:
أولا : مفهوم حديث (خذوا عني مناسككم) وإنه بيان لمجمل قوله عز وجل بالحج فيفيد الوجوب إلا لقرينة خارجية كما رأى الجمهور. وتوضيح هذا الكلام كالآتي:
زيادة على ما تم ذكره من كلام ابن القيم رحمه الله كما في تهذيب السنن (1/53) { الفعل لا يدل على الوجوب، والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل في حجته أشياء كثيرة جدا لم يوجبها أحد من الفقهاء}.
قال السندي في حاشية النسائي: معنى خذوا عني{أي تعلموها مني واحفظوها} ويتبين من قوله هذا أنه لا دلالة على وجوب المناسك وإنما يدل على وجوب الأخذ منه والتعلم، فمن استدل به على وجوب شيء في المناسك فدليله في محل النظر. وكذلك في رواية أبي داود (1957) {فطفق يعلمهم مناسكهم}.
وقال السندي معللا عدم وجوب كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المناسك:
{ إن وجوب تعلم الشيء لا يدل على وجوب ذلك الشيء وإن جميع المندوبات والسنن يجب أخذها وتعلمها، لو على وجه الكفاية وهي غير واجبة عملا} (المرعاة – 7/4). هذا من جهة
ومن جهة أخرى أن الأمر العام لا يدل على وجوب كل فرد من أفراد العام. مثال قوله ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) الآية . ليس الإحسان فيه مأمورا به أمرا جازما في كل شيء ولا غير جازم في كل شيء: بل ينقسم على مناطات.
-ألا ترى ( إحسان العبادات، تمام أركانها من باب الواجب واحسانها بتمام آدابها من باب المندوب) أفاده الشاطبي
-أن كثرة الاستثناءات تضعف (ولا تبطل) الاحتجاج بالنص ما لم تأت قرينة. (انظر فتاوى شيخ الإسلام29/166).
-الاستقراء: قال ابن الهمام: (إن الاستقراء يدل على أن كثيرا من الأفعال البيانية تشتمل على أفعال غير مراده)
إذا لماذا قال صلي الله عليه وآله وسلم ( خذوا عني مناسككم)
لأن المشركين لهم طريقة خاصة في أداء المناسك , فبعض الصحابة قد اعتاد عليها .
1-كالإفاضة من مزدلفة بعد شروق الشمس
2-عدم خروج القرشيين إلى عرفات
3-الطواف عراة
4-عدم السعي بين الصفا والمروة
5-عدم العمرة في اشهر الحج.
فكأنه صلي الله عليه وآله وسلم يقول : تعلموا مني المناسك وخذوها مني ولا تتعلموها وتأخذوها من غيري ولكن على موجب الأصول المقررة الركن ركن والواجب واجب والمندوب مندوب.
ثم الأمر الأخير أين الأدلة التي أخرجت (الرمل والاضطباع وشرب ماء زمزم إلى آخر ما ذكر من الأفعال) من الوجوب إلى الاستحباب عند القائلين أن الأصل الوجوب لأنه بيان لمجمل القرآن.
وهذا الكلام منسحب على قوله صلي الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وانظر غير مأمور لبيان مفهوم الحديثين ( الصلاة والحج ) في رسالة الدكتوراه للشيخ د.محمد سليمان الأشقر وليس الشيخ د.عمر الأشقر كما ذكرت أنا في ردي السابق وجزاك الله خير على تصحيحي.
فبفهم ماسبق تنحل إشكالات كثيرة في أفعال الحج والصلاة اضطربت أقوال الكثير في فهمهما. والله الموفق
ثانيا: حديث عائشة رضي الله عنها (...حتى تطهري) و(...حتى تغتسلي)
قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى(21/269) { وأما الطواف فلا يجوز للحائض بالنص والإجماع. وأما الحدث ففيه نزاع بين السلف. وقد ذكر عبدالله ابن الإمام أحمد رحمهما الله في المناسك بإسناده عن النخعي وحماد بن أبي سليمان أنه يجوز الطواف مع الحدث الأصغر، وقد قيل أن هذا قول الحنفية أو بعضهم}.
وقال في الفتاوى أيضا (21/280) { وأما الحائض فقد قيل أنها منعت من الطواف لأجل المسجد. كما تمنع من الاعتكاف لأجل المسجد والمسجد الحرام أفضل المساجد. وقد قال تعالى لإبراهيم عليه السلام (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) فأمر بتطهيره فتمنع منه الحائض من الطواف وغير الطواف } انتهى كلامه.
وكذلك أمرت أن تعتزل المصلى بالعيد فضلا عن المسجد. فما علة منعها باعتزال المصلى؟ وهل يجوز أن تتحفظ وتدخل المصلى؟ وهذا في غير الضرورة الشرعية، لأن عند الضرورة حتى الحائض تتحفظ وتطوف طواف الإفاضة كما أفتى بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
وأمر آخر مهم هو أن الشريعة لا تشرع الأحكام لبعض الناس دون بعض فلا تتصور أن كل لنساء اللذين يأتون على حالة من السعة والغنى والتحرز وأنت ترى الأحوال وأن الشريعة تعنى بسد الذرائع.
والأمر الأخير الذي لا أدري إن كنت قد وافقتني فيه أم لا وهو:
أنه لا يقاس الحدث الأصغر بالأكبر لكثرة الفروق بينهما أعيد ذكرها:
أن الحائض لا تصوم بينما المحدث يصوم.
لا يجوز للحائض الجلوس والمكوث في المصلى بينما يجوز للمحدث حدثا أصغرا.
وأن الطهارة للحائض والنفساء تكون بأمرين أولهما انقطاع الدم وثانيهما الاغتسال وكلا الأمرين لا يصدقان على المحدث حدثا أصغرا فقياسه على الحائض قياس مع الفارق على أن بعض العلماء يقول لا قياس بالتعبديات وليست العبادات.
ثالثا : ( أن الطواف بالبيت صلاة )
فتصحيح شيخنا العلامة الألباني رحمه الله وغيره من العلماء مقابَل بتضعيف من ضعفه من أهل الحديث الذين ذكر عنهم شيخ الإسلام رحمه الله والعبرة بالراجح حسب قواعد علم الحديث إذا تيسر ذلك وإلا باتباع أو تقليد أهل الفن.
على أن شيخ الإسلام رحمه الله رد الاستدلال على كلا الوجهين مرفوعا وموقوفا. وأن هناك فروق كثيرة بين الصلاة والطواف. يقول رحمه الله: { وبكل حال فلا حجة فيه لأنه ليس المراد به أن الطواف نوع من الصلاة كصلاة العيد والجنائز ولا أنه مثل الصلاة مطلقا} ثم ذكر الفروق من إباحة الكلام ولا تسليم فيه ولا قراءة ولا يبطله الضحك والقهقهة....والطواف لا يحرم شيئا بل كل ما كان مباحا قبل الطواف بالمسجد فهو مباح في الطواف وان كان قد يكره ذلك لأنه يشغل عن مقصود الطواف كما يكره في عرفة وعند رمي الجمار.
وقال رحمه الله أيضا في الفتاوى (21/273) {والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلا (يعني راجحة) فإنه لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة وقد اعتمر عمرا متعددة والناس يعتمرون معه فلو كان الوضوء فرضا للطواف لبينه صلي الله عليه وسلم بيانا عاما ولو بينه لفعل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه }.
وتم ذكر الأحاديث مثل { أن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة } وأما ما ذكرت بالاتفاق والإجماع فأقول:
أين النص القاطع غير المعارض والإجماع على وجوب الطهارة هذا مقابل ما ذكرت.
وأما الضابط لما يشترط له الطهارة من الصلاة ما كان مفتتحا بالتكبير مختتما بالتسليم والطواف لا يجري عليه الضابط فنطالب بأمر لا بفعل من النبي صلي الله عليه وآله وسلم أو الصحابة على شرطية أو وجوب الطهارة للطواف لا معارض له وكما قال شيخ الإسلام (1/270) { وأما الطواف فلا أعرف الساعة فيه نقلا خاصا عن الصحابة لكن إذا جاز سجود التلاوة مع الحدث فالطواف أولى }. أو تأتي بتصريح من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الصحابة على إفساد طواف المحدث حدثا أصغر وانه أمر بالإعادة على وجه الوجوب .
أما ما ذكر من التمثيل بطيشان كل الجمار :
أولا : هذا ذكر اعتراضا .
ثانيا : هناك فرق جوهري بين الجمار وطواف الإفاضة . فلو ترك رمي الجمار أجبر بدم ولكن لو ترك طواف الإفاضة لا جابر له إلا الإتيان به.
وثم أمر كما يقول بعض العلماء ( لا قياس بالتعبديات ) مثل الجمار وغيرها .
هذه أهم الأدلة وأعرضت عن بعض الأمور الجانبية والله الموفق ورائدنا في ذلك اتباع الحق .
وكما قال بعض السلف ( قولي صحيح يحتمل الخطأ . وقول غيري خطأ يحتمل الصحة )
فنسأل الله أن يهدينا يا أخي الحبيب وإياكم لما اختلف فيه من الحق بإذنه انه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم .
Powered by vBulletin® Version 3.7.2
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd