الحسيني
06-27-2003, 08:38 PM
أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان - رضي الله عنه، يقول ابن حزم: "ثم ولي عثمان، وبقي اثني عشر عاماً، وبموته حصل الاختلاف، وابتدأ أمر الروافض" [الفصل: 2/8، وبمثل قول ابن حزم هذا قال طائفة من العلماء والباحثين مثل: الشيخ عثمان بن عبد الله الحنفي صاحب الفرق المتفرقة بين أهل الزيغ والزندقة (انظر: الفرق المفترقة ص :6) ومثل المستشرق: فلهوزن (انظر: الخوارج والشيعة ص: 112).]. والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي [عبد الله بن سبأ رأس الطائفة السبئية وكانت تقول بألوهية علي، كما تقول برجعته وتطعن في الصحابة... أصله من اليمن وكان يهودياً يتظاهر بالإسلام، رحل لنشر فتنته إلى الحجاز فالبصرة فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته. قال ابن حجر: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن علياً حرقة بالنار" اه. وقد تكاثر ذكر أخبار فتنته وشذوذه وسعيه في التآمر هو وطائفته في كتب الفرق والرجال والتاريخ وغيرها من مصادر السنة والشيعة جميعاً.
انظر في ذلك: الملطي/ التنبيه والرد ص: 18، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/86، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص 233، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/174، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص: 71-72، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين ص: 86، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: 29، ابن حجر/ لسان الميزان: 3/289، ابن عساكر/ تهذيب تاريخ دمشق: 7/431، السمعاني/ الأنساب: 7/46، ابن الأثير/ اللباب: 1/527، المقدسي/ البدء والتاريخ: 5/129، تاريخ الطبري: 4/340، ابن الأثير/ الكامل: 3/77، ابن كثير/ البداية والنهاية: 7/167، ابن خلدون/ العبر: 2/160،161، الطبري/ تبصير أولي النهى الورقة (14) (مخطوط).
ومن مصادر الشيعة: الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص 22-23، القمي/ المقالات والفرق ص: 20، النوبختي/ فرق الشيعة ص: 22، وأورد الكشي عدة روايات في ابن سبأ (رجال الكشي، انظر الروايات رقم: 170-171، 172، 173، 174، من ص 106-108)، ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة: 2/308.]، والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان، وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه [انظر - مثلاً - : ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي، وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام، كما أفسد بولس دين النصارى (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية/ جمع عبد الرحمن بن قاسم: 4/518). وكذا ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل ص: 125، ومن المعاصرين - مثلاً - أبو زهرة الذي ذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصي محمد، ودعا إلى ذلك.
وذكر أبو زرهة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي (انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/31-33)، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم (انظر: عائشة والسياسة ص: 60)، وانظر: القصيمي في الصراع: 1/41.]. وقد تواتر ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.
ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مبرر واقعي، أو دليل قاطع [وهو: مرتضى العسكري في كتابه "عبد الله بن سبأ.." ص: 35 وما بعدها.]، بل ادعى البعض منهم أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر [وهو: علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) ص: 274، وقلده في هذا الشيعي الآخر: مصطفى الشيبي في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) ص: 40-41، ويرى الأستاذ علي البصري أن الوردي هذا مقلد للأستاذ هدايت الوحكيم الهلي أستاذ بجامعة لندن في تلك الآراء والذي نشرها في كتابه: "تخس إمام" أي: الإمام الأول. وأن الوردي قام بنشر ترجمتها تقريباً في كتابه "وعاظ السلاطين".
(انظر: مجلة الثقافة الإسلامية/ بغداد/ العدد (11)، السنة الأولى، مقال علي البصري بعنوان "من طلاب الشهرة علي الوردي").]. وهذه الدعوى هي محاولة أو حيلة لتبرئة يهود من التآمر على المسلمين.. كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على الرفض.. والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.
وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية، وشخصية تاريخية، فكيف ينفى ما أجمع عليه الفريقان؟! أما القول بأن ابن سبأ هو عامر بن ياسر فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟!.
وكذلك د. عمار الطالبي أثبت بطلان هذه الأقوال في كتابه: "آراء الخوارج" ص: 74 –81. وللدكتور عزت عطية مناقشة لهؤلاء وتزييف لأقوالهم في كتابه "البدعة" ص: 64 وما بعدها. وقدم الدكتور سعدي الهاشمي محاضرة قيمة في هذا الموضوع أثبت فيها وجود ابن سبأ بالأدلة من الفريقين (انظر: محاضرات الجامعة الإسلامية عام 1398-1399ه: "ابن سبأ حقيقة لا خيال" ص: 201-223).]، فلا حاجة للوقف عندها طويلاً.. ويكفي – هنا – الاستشهاد بما جاء في كتب الشيعة المعتمدة عن ابن سبأ تمشياً – أولاً – مع خطة البحث في الاعتماد على أصولهم، وثانياً: لأن الإنكار لوجود ابن سبأ جاء من جهة الشيعة، فالاحتجاج عليهم من كتبهم المعتمدة يسقط دعواهم من أساسها. وثالثاً: لأن في عرض آراء ابن سبأ من كتب الشيعة تصويراً لأهل الشيعة وجذورها من كلام الشيعة أنفسهم، وهو موضوع هذا البحث.
فماذا تقول كتب الشيعة عن ابن سبأ؟.. فالشيعي سعد بن عبد الله القمي شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها، كما ينعته النجاشي [رجال النجاشي ص: 126.] (المتوفى سنة 229-301) يقر بوجود ابن سبأ، ويذكر أسماء بعض أصحابه الذين تآمروا معه، ويلقب فرقته بالسبئية، ويرى أنها أول فرقة في الإسلام قالت بالغلو، ويعتبر ابن سبأ "أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن علياً – رضي الله عنه – أمره بذلك"، ويذكر القمي أن علياً بلغه ذلك فأمر بقتله ثم ترك ذلك واكتفى بنفيه إلى المدائن [المقالات والفرق ص: 20.].
كما ينقل عن جماعة من أهل العلم - كما يصفهم -: "أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي بمثل ذلك، وهو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب وأظهر البراءة من أعدائه.. وأكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية [المقالات والفرق ص: 20.]. ثم يذكر القمي موقف ابن سبأ حينما بلغه نعي علي حيث ادعى أنه لم يمت وقال برجعته، وغلا فيه [المقالات والفرق ص: 21.].
هذا ما يقوله القمي عن ابن سبأ، والقمي عند الشيعة ثقة واسع المعرفة بالأخبار [انظر: الطوسي/ الفهرست ص: 105، الأردبيلي / جامع الرواة : 1/352.]، ومعلوماته - عندهم - مهمة نظراً لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعداً القمي كما روى شيخهم الملقب عندهم بالصدوق قد لاقى في إمامهم المعصوم - في نظرهم - الحسن العسكري وسمع منه [انظر: ابن بابويه القمي/ إكمال الدين ص: 425-453.]. ونجد شيخهم الآخر النوبختي يتحدث عن ابن سبأ ويتفق فيما يقوله عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها [انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص: 22-23.]، والنوبختي ثقة معتمد عندهم [انظر: الطوسي/ الفهرست ص: 75، الأردبيلي/ جامع الرواة : 1/228، عباس القمي/ الكنى والألقاب: 1/148، الحائري/ متقبس الأثر: 16/125.]. وعالمهم الكشي [وهو عندهم "ثقة بصير بالأخبار والرجال" (الطوسي/ الفهرست: 171).] يروي ست روايات في ذكر ابن سبأ [رجال الكشي ص: 106-108، 305.] وذلك في كتابه المعروف "برجال الكشي" والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله - تعالى الله وتقدس - وأن علياً استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار، كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبد الله ابن سبأ، وأنه كان يكذب على علي، كقول علي بن الحسين: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله، كان علي - رضي الله عنه - والله عبداً لله صالحاً أخو رسول الله ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته" [المصدر السابق: ص: 108.].
ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: "ذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي - رضي الله عنه - مثل ذلك، وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية" [المصدر السابق ص : 108-109.]. هذه مقالة الكشي وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم.
ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي شيخ الطائفة عندهم بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقاً حيث اجتمع في تأليفه الكشي الذي هو عندهم ثقة، بصير بالأخبار وبالرجال مع الطوسي وهو صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول عليها في علم الرجال عندهم [وما نقلناه عن الكشي هو من تذهيب الطوسي واختياره؛ لأن الأصل – كما يقولون – مفقود لا يعرف له أثر. (انظر: مقدمة رجال الكشي ص 17-18، يوسف البحراني/ لؤلؤة البحرين ص: 403).].
ثم إن كثيراً من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ [لعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية وهو كتاب: مسائل الإمامة ص: 22-23 لعبد الله الناشئ الأكبر (المتوفى سنة 293ه).
(راجع ترجمته في وفيات الأعيان: 3/91-92، أنباء الرواة: 2/128-129).
ومن كتبهم في الرجال التي جاءت على ذكر ابن سبأ: المازندراني/ منتهى المقال (غير مرقم الصفحات)، الاستراباذي/ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال ص: 203-204، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/485، ابن داود الحلي/ الرجال: 2/71، التستري/ قاموس الرجال: 5/461 وما بعدها، رجال الطوسي ص: 51.
ومن كتبهم في الحديث والفقه التي جاء فيها ذكر ابن سبأ: ابن بابويه القمي/ من لا يحضره الفقيه: 1/213، الخصال ص: 628، الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/322، المجلسي/ بحار الأنوار: 25/286 وما بعدها.]، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة وهو تنقيح المقال [تنقيح المقال: 2/183.] لشيخهم عبد الله الممقاني [انظر: الأعلمي/ مقتبس الأثر: 21/230.] (المتوفى سنة 1351ه).
ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهاً أخيراً لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول - مثلاً - محمد حسين الزين: "وعلى كل حال فإن الرجل - أي: ابن سبأ - كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً.. أما نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشك بوجوده وغلوه" [الشيعة في التاريخ ص: 213.].
ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ هو تكذيب منهم - وإن لم يصرحوا - لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ، ولكتبهم في الرجال التي تكاثر فيها ذكره، وهو اعتراف منهم - وإن لم يشعروا - أن كتب الرجال لديهم ليست مرجعاً يوثق به وإجماعها لا يعتد به.
وهكذا تعترف كتب الشيعة بأن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة.. وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث ونسبت لآل البيت زوراً وبهتاناً، فوجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم ولا سيما العجم.
__________________
أصول المذهب الشيعي .. للدكتور القفاري حفظه الله
انظر في ذلك: الملطي/ التنبيه والرد ص: 18، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/86، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص 233، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/174، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص: 71-72، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين ص: 86، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: 29، ابن حجر/ لسان الميزان: 3/289، ابن عساكر/ تهذيب تاريخ دمشق: 7/431، السمعاني/ الأنساب: 7/46، ابن الأثير/ اللباب: 1/527، المقدسي/ البدء والتاريخ: 5/129، تاريخ الطبري: 4/340، ابن الأثير/ الكامل: 3/77، ابن كثير/ البداية والنهاية: 7/167، ابن خلدون/ العبر: 2/160،161، الطبري/ تبصير أولي النهى الورقة (14) (مخطوط).
ومن مصادر الشيعة: الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص 22-23، القمي/ المقالات والفرق ص: 20، النوبختي/ فرق الشيعة ص: 22، وأورد الكشي عدة روايات في ابن سبأ (رجال الكشي، انظر الروايات رقم: 170-171، 172، 173، 174، من ص 106-108)، ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة: 2/308.]، والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان، وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه [انظر - مثلاً - : ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي، وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام، كما أفسد بولس دين النصارى (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية/ جمع عبد الرحمن بن قاسم: 4/518). وكذا ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل ص: 125، ومن المعاصرين - مثلاً - أبو زهرة الذي ذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصي محمد، ودعا إلى ذلك.
وذكر أبو زرهة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي (انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/31-33)، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم (انظر: عائشة والسياسة ص: 60)، وانظر: القصيمي في الصراع: 1/41.]. وقد تواتر ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.
ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مبرر واقعي، أو دليل قاطع [وهو: مرتضى العسكري في كتابه "عبد الله بن سبأ.." ص: 35 وما بعدها.]، بل ادعى البعض منهم أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر [وهو: علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) ص: 274، وقلده في هذا الشيعي الآخر: مصطفى الشيبي في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) ص: 40-41، ويرى الأستاذ علي البصري أن الوردي هذا مقلد للأستاذ هدايت الوحكيم الهلي أستاذ بجامعة لندن في تلك الآراء والذي نشرها في كتابه: "تخس إمام" أي: الإمام الأول. وأن الوردي قام بنشر ترجمتها تقريباً في كتابه "وعاظ السلاطين".
(انظر: مجلة الثقافة الإسلامية/ بغداد/ العدد (11)، السنة الأولى، مقال علي البصري بعنوان "من طلاب الشهرة علي الوردي").]. وهذه الدعوى هي محاولة أو حيلة لتبرئة يهود من التآمر على المسلمين.. كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على الرفض.. والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.
وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية، وشخصية تاريخية، فكيف ينفى ما أجمع عليه الفريقان؟! أما القول بأن ابن سبأ هو عامر بن ياسر فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟!.
وكذلك د. عمار الطالبي أثبت بطلان هذه الأقوال في كتابه: "آراء الخوارج" ص: 74 –81. وللدكتور عزت عطية مناقشة لهؤلاء وتزييف لأقوالهم في كتابه "البدعة" ص: 64 وما بعدها. وقدم الدكتور سعدي الهاشمي محاضرة قيمة في هذا الموضوع أثبت فيها وجود ابن سبأ بالأدلة من الفريقين (انظر: محاضرات الجامعة الإسلامية عام 1398-1399ه: "ابن سبأ حقيقة لا خيال" ص: 201-223).]، فلا حاجة للوقف عندها طويلاً.. ويكفي – هنا – الاستشهاد بما جاء في كتب الشيعة المعتمدة عن ابن سبأ تمشياً – أولاً – مع خطة البحث في الاعتماد على أصولهم، وثانياً: لأن الإنكار لوجود ابن سبأ جاء من جهة الشيعة، فالاحتجاج عليهم من كتبهم المعتمدة يسقط دعواهم من أساسها. وثالثاً: لأن في عرض آراء ابن سبأ من كتب الشيعة تصويراً لأهل الشيعة وجذورها من كلام الشيعة أنفسهم، وهو موضوع هذا البحث.
فماذا تقول كتب الشيعة عن ابن سبأ؟.. فالشيعي سعد بن عبد الله القمي شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها، كما ينعته النجاشي [رجال النجاشي ص: 126.] (المتوفى سنة 229-301) يقر بوجود ابن سبأ، ويذكر أسماء بعض أصحابه الذين تآمروا معه، ويلقب فرقته بالسبئية، ويرى أنها أول فرقة في الإسلام قالت بالغلو، ويعتبر ابن سبأ "أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن علياً – رضي الله عنه – أمره بذلك"، ويذكر القمي أن علياً بلغه ذلك فأمر بقتله ثم ترك ذلك واكتفى بنفيه إلى المدائن [المقالات والفرق ص: 20.].
كما ينقل عن جماعة من أهل العلم - كما يصفهم -: "أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي بمثل ذلك، وهو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب وأظهر البراءة من أعدائه.. وأكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية [المقالات والفرق ص: 20.]. ثم يذكر القمي موقف ابن سبأ حينما بلغه نعي علي حيث ادعى أنه لم يمت وقال برجعته، وغلا فيه [المقالات والفرق ص: 21.].
هذا ما يقوله القمي عن ابن سبأ، والقمي عند الشيعة ثقة واسع المعرفة بالأخبار [انظر: الطوسي/ الفهرست ص: 105، الأردبيلي / جامع الرواة : 1/352.]، ومعلوماته - عندهم - مهمة نظراً لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعداً القمي كما روى شيخهم الملقب عندهم بالصدوق قد لاقى في إمامهم المعصوم - في نظرهم - الحسن العسكري وسمع منه [انظر: ابن بابويه القمي/ إكمال الدين ص: 425-453.]. ونجد شيخهم الآخر النوبختي يتحدث عن ابن سبأ ويتفق فيما يقوله عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها [انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص: 22-23.]، والنوبختي ثقة معتمد عندهم [انظر: الطوسي/ الفهرست ص: 75، الأردبيلي/ جامع الرواة : 1/228، عباس القمي/ الكنى والألقاب: 1/148، الحائري/ متقبس الأثر: 16/125.]. وعالمهم الكشي [وهو عندهم "ثقة بصير بالأخبار والرجال" (الطوسي/ الفهرست: 171).] يروي ست روايات في ذكر ابن سبأ [رجال الكشي ص: 106-108، 305.] وذلك في كتابه المعروف "برجال الكشي" والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله - تعالى الله وتقدس - وأن علياً استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار، كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبد الله ابن سبأ، وأنه كان يكذب على علي، كقول علي بن الحسين: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله، كان علي - رضي الله عنه - والله عبداً لله صالحاً أخو رسول الله ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته" [المصدر السابق: ص: 108.].
ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: "ذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي - رضي الله عنه - مثل ذلك، وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية" [المصدر السابق ص : 108-109.]. هذه مقالة الكشي وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم.
ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي شيخ الطائفة عندهم بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقاً حيث اجتمع في تأليفه الكشي الذي هو عندهم ثقة، بصير بالأخبار وبالرجال مع الطوسي وهو صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول عليها في علم الرجال عندهم [وما نقلناه عن الكشي هو من تذهيب الطوسي واختياره؛ لأن الأصل – كما يقولون – مفقود لا يعرف له أثر. (انظر: مقدمة رجال الكشي ص 17-18، يوسف البحراني/ لؤلؤة البحرين ص: 403).].
ثم إن كثيراً من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ [لعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية وهو كتاب: مسائل الإمامة ص: 22-23 لعبد الله الناشئ الأكبر (المتوفى سنة 293ه).
(راجع ترجمته في وفيات الأعيان: 3/91-92، أنباء الرواة: 2/128-129).
ومن كتبهم في الرجال التي جاءت على ذكر ابن سبأ: المازندراني/ منتهى المقال (غير مرقم الصفحات)، الاستراباذي/ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال ص: 203-204، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/485، ابن داود الحلي/ الرجال: 2/71، التستري/ قاموس الرجال: 5/461 وما بعدها، رجال الطوسي ص: 51.
ومن كتبهم في الحديث والفقه التي جاء فيها ذكر ابن سبأ: ابن بابويه القمي/ من لا يحضره الفقيه: 1/213، الخصال ص: 628، الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/322، المجلسي/ بحار الأنوار: 25/286 وما بعدها.]، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة وهو تنقيح المقال [تنقيح المقال: 2/183.] لشيخهم عبد الله الممقاني [انظر: الأعلمي/ مقتبس الأثر: 21/230.] (المتوفى سنة 1351ه).
ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهاً أخيراً لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول - مثلاً - محمد حسين الزين: "وعلى كل حال فإن الرجل - أي: ابن سبأ - كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً.. أما نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشك بوجوده وغلوه" [الشيعة في التاريخ ص: 213.].
ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ هو تكذيب منهم - وإن لم يصرحوا - لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ، ولكتبهم في الرجال التي تكاثر فيها ذكره، وهو اعتراف منهم - وإن لم يشعروا - أن كتب الرجال لديهم ليست مرجعاً يوثق به وإجماعها لا يعتد به.
وهكذا تعترف كتب الشيعة بأن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة.. وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث ونسبت لآل البيت زوراً وبهتاناً، فوجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم ولا سيما العجم.
__________________
أصول المذهب الشيعي .. للدكتور القفاري حفظه الله