المشكدانة
06-21-2003, 01:29 PM
الفرق بين العُقَد والمُلَح
محاضرة مسجلة لفضيلة الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ،
أما بعد ، فأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياك ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر فإن هذه كما قال إمام الدعوة "عنوان السعادة" ، وأسأله جل وعلا لي ولك الثبات على الحق والهدى وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يلهمنا ويوفقنا إلى الحق ويمن علينا باتباعه والالتزام به وأن يوفقنا إلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال ، في حالتي الفقر والغنى ، وفي حالتي الرضا والغضب ، وأسأله سبحانه أن يصلنا بحبله وأن لا يقطع ذلك بذنوبنا ، ثم إن هذه الدروس من أجل عدم حضور من كان العادة يحضر في درس كشف الشبهات ، نقدم لهذه الدروس بمقدمة في العلم وطلبه كالعادة لعلها أن تكون نافعة إن شاء الله ...
من المعلوم أن العلم قسمان كما يقول طائفة من أهل العلم منهم الشاطبي في أول الموافقات ، العلم قسمان ، عُقد ومُلح ، والعقد تعقد القلب مع العلم والمُلح لا بد منها للمسير في طلب العلم ، واستمرار المرء بعقد العلم ( يعني بقوي العلم وأصوله ومنهجيته دون مُلحه ) يجعل المرء يكسل أو يمل لأن النفس حمضة تحتاج إلى أن تُصقل وتُزال بشيء من المُلح .
ولهذا روى ابن عبد البر وغيره أن ابن شهاب الزهري الإمام المعروف كان إذا أعطى الدرس في الحديث وانتهى قال : هاتوا من مُلحكم ، هاتوا من أشعاركم ، هاتوا من أخباركم ، فيأخذ هذا يقص وهذا يقص ويروي هذا ويروي ذاك فتأنس النفس بما ذُكر ويكون لها نشاطا فيما تستقبل .
العلم عُقدُه هي الأصل ، هي الغاية ، ومُلحه وسيلة لهذه الغاية ، وسيلة لتقوية الذهن ولتوسيع المعارف ، فعُقد العلم أيضا قسمان ، علوم أصلية وعلوم صناعية .
أما العلوم الأصلية فهي التفسير والحديث والفقه والتوحيد (العقيدة ) ونحو ذلك ، والعلوم الصناعية هي علوم الآلة سميت صناعية لأنها كانت اصطلاحية جاءت بعد الأصول مثل مصطلح الحديث وأصول الفقه ، وأصول التفسير والنحو وعلوم العربية بعامة وأشباه ذلك . هذه عقد العلم ، يعني أن هذه العلوم الأصلية والصناعية لا بد منها لطالب العلم لاستكمال تفقهه في العلم وهناك علوم أخر يحتاجها لتكميل بناء العلم وهي التي سماها طائفة بملح العلم من مثل قراءة التاريخ والأدب والأشعار وتراجم أهل العلم والمناظرات وما أشبه ذلك فهذه مُلح الاطلاع عليها مفيد لكن من جهلها فلا يضره الجهل بها من العلم ، ولهذا تجد من العلماء الكبار من لا يعرف بعض التراجم المفصلة أو تواريخ الوفيات لأهل العلم ولا يضره هذا لأن هذا ليس من العلم الأصلي الذي به يكون المرء طالب علم أو عالما ولكن هذا من المُلح .
الفرق بين العقد والملح أن العقد لا بد لها من رجال يعلِّمون كيف تفتح أو كيف تحل هذه العقد لأنها عقدة تحتاج إلى حل ، والعقدة مجتمع الشيء لتقويته وتحتاج إلى فكها حتى تعرف مسار الشيء إلى من يساعدك في هذا والمساعد هم الرجال ، هم أهل العلم ، وهذا عن طريقين ، طريق المشافهة ، يعني الدروس ، وعن طريق قراءة الكتب وفتح المغلق منها ، عن طريق العلماء ، ولهذا قال من قال من السلف " كان العلم في صدور الرجال " يعني قبل أن يدون الحديث والتفسير وقبل أن يدون الفقه " كان العلم في صدور الرجال ثم صار في بطون الكتب وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال ! " العلم انتقل من الصدور إلى الكتب ، هذا صحيح ولكن المفاتيح بقيت بأيدي الرجال ، يعني بأيدي أهل العلم .
الكتب قوة قريبة لك ، تراجع ، تفتح ، تنظر ، تبحث ، لكن مفتاح فهم كلام أهل العلم لا بد أن يكون معك عن طريق أهل العلم لأن كلام أهل العلم له اصطلاحه ، له أصوله ، الخ ، فلابد من أخذه عن معلم ، إذن فصارت العقد هذه أصول العلم التي ذكرنا بنوعيها ، لابد فيها من معلم وإن كان المرء أخذ عن طريق الكتب فلابد أن يأخذها عن طريق معلم أو يسأل فيما يشكل منها ، ولكن لابد من معلم يفتح لك وتستفيد منه في ذلك ، مثل ما ذكرت لك من المقولة " كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى بطون الكتب وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال "
أما العلوم الأخر أو الملح ، ملح العلم ، فهذه لا تحتاج فيها إلى عالم تقرؤها ما شئت ، لأنها علوم غير مقصودة لذاتها إلا إذا كان المرء يريد التخصص ، يريد التخصص في الأدب ، في الشعر ، في الأخبار ، في التاريخ ، هنا يحتاج إلى أن يكون أخذه عن معلم لأنه يصبح في حقه من العلم المقصود لذاته لا المقصود قصد الوسائل .
تكامل شخصية طالب العلم في العلم لا بد أن يكون فيها هذا وهذا ، لكن أيها يغلب الآخر ، هل يغلب عليه اهتمامه بالملح ، بالتراجم ، بالأخبار ، بالقصص ، بالحكايات ، بنتف العلم ، بالكتيبات التي تنشر ، بالفتاوى .. الخ ، أم أنه يهتم بالعقد ، بأصول العلم ، العلوم الأصلية والعلوم المساعدة والصناعية ويكون ذاك مكملا .
يظهر مما ذكرنا أن الصواب في هذا أن الوسائل ( يعني المُلح ) لا بد أن تؤخذ بقدرها ، وقدرها الملائم لما يكون معه تنشيط النفس للعلم ، فإن كان طالب العلم يعيش بالعلم القوي ، بالعقد لا بالملح ، نفسه تضعف بعد فترة ، فلا يستأنس بالعلم لأن الملح هذه كالملح في الطعام تجعل المرء يقبل على الشيء ويزيد منه لأن فيها أنسا ومعها انشراح النفس فيما يقرأ لأنها توافق الرغبة مثل قراءة التواريخ والتراجم والأشعار والأخبار وما شاكل ذلك .
الذي يحصل نراه في طائفة من الإخوان الشباب أنهم يغلبون الملح على العلم التأصيلي ، لهذا تجد أن بعضهم عنده معلومات واسعة مختلفة لكن ليست مؤصلة ، هذه تكون بسبب غلبة الملح عليه ، يعرف تراجم العلماء وأخبارهم وهذا كذا وهذا كذا وحصل كذا وفلان وفلان تناظرا وحصل بينهما نفرة ، في أخبار طويلة وأشعار وقصص وحكايات ، لكن أين هو من العلم في نفسه ، إذا كان قد أصل نفسه في العلم وكانت هذه مساعدة له ، يكون قد سار سيرا صحيحا ، ولكن إذا غلبت عليه الملح ، ترك الأصول ، ترك العلم ، فهذا يكون مهزوزا ، ويكون عنده الملح مقصودة لذاتها وهذا خلاف سنة أهل العلم .
سنة أهل العلم أن يكون هذا القسم تنشيطيا ، أن يكون هذا العلم ترويحيا ينشط المرء بدل أن يقضي وقته الذي يرتاح فيه ، يقضيه في كيت وكيت ، يقضيه مع العلم لكن بشيء تنشط معه النفس وتأنس فيه الروح ، وكذلك السعي في حفظ المتون والقراءة الجادة بدون مُلح ، هذه تسبب من الهز والاهتزاز في نفسية طالب العلم لأنه لا بد أن يكون عنده هذا وهذا ، وإذا أخذ نفسه بالقوة دون الملح فإنه يكسل بعد فترة وهذا مجرب ، وكل طالب للعلم لنفسه مع العلم إقبال وتوسط وإدبار وهذا لابد منه، فإقبالها أن يكون نشيطا يجتهد في الحفظ ، يجتهد في المراجعة ، يجتهد بالبحث بقوة وإقبال ثم يرى من نفسه أنه في فترة أخرى يريد يتنزه ، يتنزه بمعنى يخرج ، يريد أنه يتصل ، مايريد يطلب العلم ، مايريد يقرأ ، هذا بسبب عدم توازنه فيما سار فيه ، والذي ينبغي لمن أراد العلم وأراد طلبه أن يكون متوازنا فيه وأن يرعى حقوق النفس ، والنفس لها حقوق " وإن لنفسك عليك حقا " وإن لأهلك عليك حقا وإن لربك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه " المهم لطالب العلم أن لا ينقطع عن العلم ، ومن أسباب عدم الانقطاع أن يكون متوازنا فيما يطلب ، أن يكون عنده عناية بالملح التي تنشط نفسه ، أخبار ، حكايات وطرف ، وهذه تطربه ، وهذه يستغرب منها ، وهي تقويه أيضا في الكلام وفي سعة الإدراك والاطلاع على ما عند الناس وعند أهل العلم ، لذلك تجد مثلا ، تجد ابن عبد البر مع مصنفاته العظيمة ، وهو إمام من الأئمة المشهورين مع مصنفاته العظيمة في شروح الحديث كالتمهيد الذي قال فيه لنفسه
سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي
يقصد التمهيد ، هو المفرج عن همه إذا نظر فيه تفرجت همومه لما يجد فيه من الأنس والانشراح ، تجد أنه صنف التمهيد وصنف الاستذكار وصنف الكافي في الفقه المالكي وصنف الجامع المعروف ، صنف من جهة أخرى بهجة المجالس في الأشعار والأخبار ، الخ ، شبيه بعيون الأخبار والبيان والتبين والعقد الفريد لابن عبد ربه وأشباه هذه الكتب .
بهجة المجالس كتاب يكمل هذا ، لماذا ؟ هل معنى هذا أن العالم الكبير يذهب إلى مثل هذا النوع من العلوم لأجل أن الوقت عنده لا قيمة له ، لا ولكن لأجل توازن نفسه مع العلم ، هو لا يريد أن يخرج من العلم إلا إلى العلم فأما أن يخرج منه إلى لهو كما يلهو الناس أو إلى فرجة أو إلى حديث وما شاكل ذلك أو إلى علم فيه أنس نفسه ، يحصل معه المقصود ولا يخرج به عن الكتب وعن العلم ، فتجد أن طائفة من العلماء اعتنوا بهذا وعندهم عناية بالملح، فإذن عقد العلم وأصوله مهمة وهي التي تقضي معها الأوقات ولابد لك أيضا من رعاية للملح وحفظ الأشعار والأخبار والأمثال وقصص ذلك ، وقراءة في شيء من كتب الأدب وقراءة في كتب التاريخ والتراجم ، الخ ، فهذه تقوي منك الملكة في العلم ويكون أيضا معك نشاط في العلم بسبب ماذكر ، فإن نخلص من هذا ضرورة التوازن ، التوازن ليس معناه التساوي ، لا ، يغلّب ، يعطي كل ذي حق حقه، فيعطي أصول العلم حقها ويعطي وسائل العلم حقها ويعطي الملح أيضا حقا وهذا أنت تحكم به على نفسك، إذن طالب العلم يكون له في العلم لإقبال وتوسط وإدبار وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام " إن لكل شيء شرة وإن لكل شرة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح وأنجح ومن كانت فترته إلى بدعة فقد خاب وخسر " يعني ما من شيء إلا له قوة وإقبال ، شرة وقوة وعنفوان وشدة ، وله فترة ضعف بعد ذلك ضعفه بعد ذلك إلى سنة يعني اقتصاد في الأمر وسنة ومتابعة فهذا أفلح وأنجح ، يعني ما كانت فترته إلى غير الهدى إلى معصية ، ومن كانت فترته إلى معصية فهذا خاب وخسر ، وهذا يجعل طالب العلم ينتبه لنفسيته ، لا يخسر نفسه لأجل أنه ما أعطاها حقها وهذا وجدناه من بعض الإخوان وطلبة العلم ، فإنهم طلبوا العلم قليلا ثم بعد ذلك كسلوا ، السبب عدم التوازن ، الرغبة كانت في الأول قوية لكن أتعب نفسه ، أتعب نفسه بغير توازن ، وظن أنه يمكن أن يأتي كل شيء جملة مع قوة نفسه ، لا النفس تحتاج إلى تدرج " ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون " الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره وهذا يحتاج إلى تدرج ، حتى المرء مع نفسه يحتاج إلى ألا يأتيها جميعا ففي طلب العلم لا تأتي العلم مع كراهيته أو مع التوسط في قبوله ، إذا كان لك إقبال فيه ، فكما قال الشاعر :
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون
محاضرة مسجلة لفضيلة الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ،
أما بعد ، فأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياك ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر فإن هذه كما قال إمام الدعوة "عنوان السعادة" ، وأسأله جل وعلا لي ولك الثبات على الحق والهدى وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يلهمنا ويوفقنا إلى الحق ويمن علينا باتباعه والالتزام به وأن يوفقنا إلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال ، في حالتي الفقر والغنى ، وفي حالتي الرضا والغضب ، وأسأله سبحانه أن يصلنا بحبله وأن لا يقطع ذلك بذنوبنا ، ثم إن هذه الدروس من أجل عدم حضور من كان العادة يحضر في درس كشف الشبهات ، نقدم لهذه الدروس بمقدمة في العلم وطلبه كالعادة لعلها أن تكون نافعة إن شاء الله ...
من المعلوم أن العلم قسمان كما يقول طائفة من أهل العلم منهم الشاطبي في أول الموافقات ، العلم قسمان ، عُقد ومُلح ، والعقد تعقد القلب مع العلم والمُلح لا بد منها للمسير في طلب العلم ، واستمرار المرء بعقد العلم ( يعني بقوي العلم وأصوله ومنهجيته دون مُلحه ) يجعل المرء يكسل أو يمل لأن النفس حمضة تحتاج إلى أن تُصقل وتُزال بشيء من المُلح .
ولهذا روى ابن عبد البر وغيره أن ابن شهاب الزهري الإمام المعروف كان إذا أعطى الدرس في الحديث وانتهى قال : هاتوا من مُلحكم ، هاتوا من أشعاركم ، هاتوا من أخباركم ، فيأخذ هذا يقص وهذا يقص ويروي هذا ويروي ذاك فتأنس النفس بما ذُكر ويكون لها نشاطا فيما تستقبل .
العلم عُقدُه هي الأصل ، هي الغاية ، ومُلحه وسيلة لهذه الغاية ، وسيلة لتقوية الذهن ولتوسيع المعارف ، فعُقد العلم أيضا قسمان ، علوم أصلية وعلوم صناعية .
أما العلوم الأصلية فهي التفسير والحديث والفقه والتوحيد (العقيدة ) ونحو ذلك ، والعلوم الصناعية هي علوم الآلة سميت صناعية لأنها كانت اصطلاحية جاءت بعد الأصول مثل مصطلح الحديث وأصول الفقه ، وأصول التفسير والنحو وعلوم العربية بعامة وأشباه ذلك . هذه عقد العلم ، يعني أن هذه العلوم الأصلية والصناعية لا بد منها لطالب العلم لاستكمال تفقهه في العلم وهناك علوم أخر يحتاجها لتكميل بناء العلم وهي التي سماها طائفة بملح العلم من مثل قراءة التاريخ والأدب والأشعار وتراجم أهل العلم والمناظرات وما أشبه ذلك فهذه مُلح الاطلاع عليها مفيد لكن من جهلها فلا يضره الجهل بها من العلم ، ولهذا تجد من العلماء الكبار من لا يعرف بعض التراجم المفصلة أو تواريخ الوفيات لأهل العلم ولا يضره هذا لأن هذا ليس من العلم الأصلي الذي به يكون المرء طالب علم أو عالما ولكن هذا من المُلح .
الفرق بين العقد والملح أن العقد لا بد لها من رجال يعلِّمون كيف تفتح أو كيف تحل هذه العقد لأنها عقدة تحتاج إلى حل ، والعقدة مجتمع الشيء لتقويته وتحتاج إلى فكها حتى تعرف مسار الشيء إلى من يساعدك في هذا والمساعد هم الرجال ، هم أهل العلم ، وهذا عن طريقين ، طريق المشافهة ، يعني الدروس ، وعن طريق قراءة الكتب وفتح المغلق منها ، عن طريق العلماء ، ولهذا قال من قال من السلف " كان العلم في صدور الرجال " يعني قبل أن يدون الحديث والتفسير وقبل أن يدون الفقه " كان العلم في صدور الرجال ثم صار في بطون الكتب وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال ! " العلم انتقل من الصدور إلى الكتب ، هذا صحيح ولكن المفاتيح بقيت بأيدي الرجال ، يعني بأيدي أهل العلم .
الكتب قوة قريبة لك ، تراجع ، تفتح ، تنظر ، تبحث ، لكن مفتاح فهم كلام أهل العلم لا بد أن يكون معك عن طريق أهل العلم لأن كلام أهل العلم له اصطلاحه ، له أصوله ، الخ ، فلابد من أخذه عن معلم ، إذن فصارت العقد هذه أصول العلم التي ذكرنا بنوعيها ، لابد فيها من معلم وإن كان المرء أخذ عن طريق الكتب فلابد أن يأخذها عن طريق معلم أو يسأل فيما يشكل منها ، ولكن لابد من معلم يفتح لك وتستفيد منه في ذلك ، مثل ما ذكرت لك من المقولة " كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى بطون الكتب وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال "
أما العلوم الأخر أو الملح ، ملح العلم ، فهذه لا تحتاج فيها إلى عالم تقرؤها ما شئت ، لأنها علوم غير مقصودة لذاتها إلا إذا كان المرء يريد التخصص ، يريد التخصص في الأدب ، في الشعر ، في الأخبار ، في التاريخ ، هنا يحتاج إلى أن يكون أخذه عن معلم لأنه يصبح في حقه من العلم المقصود لذاته لا المقصود قصد الوسائل .
تكامل شخصية طالب العلم في العلم لا بد أن يكون فيها هذا وهذا ، لكن أيها يغلب الآخر ، هل يغلب عليه اهتمامه بالملح ، بالتراجم ، بالأخبار ، بالقصص ، بالحكايات ، بنتف العلم ، بالكتيبات التي تنشر ، بالفتاوى .. الخ ، أم أنه يهتم بالعقد ، بأصول العلم ، العلوم الأصلية والعلوم المساعدة والصناعية ويكون ذاك مكملا .
يظهر مما ذكرنا أن الصواب في هذا أن الوسائل ( يعني المُلح ) لا بد أن تؤخذ بقدرها ، وقدرها الملائم لما يكون معه تنشيط النفس للعلم ، فإن كان طالب العلم يعيش بالعلم القوي ، بالعقد لا بالملح ، نفسه تضعف بعد فترة ، فلا يستأنس بالعلم لأن الملح هذه كالملح في الطعام تجعل المرء يقبل على الشيء ويزيد منه لأن فيها أنسا ومعها انشراح النفس فيما يقرأ لأنها توافق الرغبة مثل قراءة التواريخ والتراجم والأشعار والأخبار وما شاكل ذلك .
الذي يحصل نراه في طائفة من الإخوان الشباب أنهم يغلبون الملح على العلم التأصيلي ، لهذا تجد أن بعضهم عنده معلومات واسعة مختلفة لكن ليست مؤصلة ، هذه تكون بسبب غلبة الملح عليه ، يعرف تراجم العلماء وأخبارهم وهذا كذا وهذا كذا وحصل كذا وفلان وفلان تناظرا وحصل بينهما نفرة ، في أخبار طويلة وأشعار وقصص وحكايات ، لكن أين هو من العلم في نفسه ، إذا كان قد أصل نفسه في العلم وكانت هذه مساعدة له ، يكون قد سار سيرا صحيحا ، ولكن إذا غلبت عليه الملح ، ترك الأصول ، ترك العلم ، فهذا يكون مهزوزا ، ويكون عنده الملح مقصودة لذاتها وهذا خلاف سنة أهل العلم .
سنة أهل العلم أن يكون هذا القسم تنشيطيا ، أن يكون هذا العلم ترويحيا ينشط المرء بدل أن يقضي وقته الذي يرتاح فيه ، يقضيه في كيت وكيت ، يقضيه مع العلم لكن بشيء تنشط معه النفس وتأنس فيه الروح ، وكذلك السعي في حفظ المتون والقراءة الجادة بدون مُلح ، هذه تسبب من الهز والاهتزاز في نفسية طالب العلم لأنه لا بد أن يكون عنده هذا وهذا ، وإذا أخذ نفسه بالقوة دون الملح فإنه يكسل بعد فترة وهذا مجرب ، وكل طالب للعلم لنفسه مع العلم إقبال وتوسط وإدبار وهذا لابد منه، فإقبالها أن يكون نشيطا يجتهد في الحفظ ، يجتهد في المراجعة ، يجتهد بالبحث بقوة وإقبال ثم يرى من نفسه أنه في فترة أخرى يريد يتنزه ، يتنزه بمعنى يخرج ، يريد أنه يتصل ، مايريد يطلب العلم ، مايريد يقرأ ، هذا بسبب عدم توازنه فيما سار فيه ، والذي ينبغي لمن أراد العلم وأراد طلبه أن يكون متوازنا فيه وأن يرعى حقوق النفس ، والنفس لها حقوق " وإن لنفسك عليك حقا " وإن لأهلك عليك حقا وإن لربك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه " المهم لطالب العلم أن لا ينقطع عن العلم ، ومن أسباب عدم الانقطاع أن يكون متوازنا فيما يطلب ، أن يكون عنده عناية بالملح التي تنشط نفسه ، أخبار ، حكايات وطرف ، وهذه تطربه ، وهذه يستغرب منها ، وهي تقويه أيضا في الكلام وفي سعة الإدراك والاطلاع على ما عند الناس وعند أهل العلم ، لذلك تجد مثلا ، تجد ابن عبد البر مع مصنفاته العظيمة ، وهو إمام من الأئمة المشهورين مع مصنفاته العظيمة في شروح الحديث كالتمهيد الذي قال فيه لنفسه
سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي
يقصد التمهيد ، هو المفرج عن همه إذا نظر فيه تفرجت همومه لما يجد فيه من الأنس والانشراح ، تجد أنه صنف التمهيد وصنف الاستذكار وصنف الكافي في الفقه المالكي وصنف الجامع المعروف ، صنف من جهة أخرى بهجة المجالس في الأشعار والأخبار ، الخ ، شبيه بعيون الأخبار والبيان والتبين والعقد الفريد لابن عبد ربه وأشباه هذه الكتب .
بهجة المجالس كتاب يكمل هذا ، لماذا ؟ هل معنى هذا أن العالم الكبير يذهب إلى مثل هذا النوع من العلوم لأجل أن الوقت عنده لا قيمة له ، لا ولكن لأجل توازن نفسه مع العلم ، هو لا يريد أن يخرج من العلم إلا إلى العلم فأما أن يخرج منه إلى لهو كما يلهو الناس أو إلى فرجة أو إلى حديث وما شاكل ذلك أو إلى علم فيه أنس نفسه ، يحصل معه المقصود ولا يخرج به عن الكتب وعن العلم ، فتجد أن طائفة من العلماء اعتنوا بهذا وعندهم عناية بالملح، فإذن عقد العلم وأصوله مهمة وهي التي تقضي معها الأوقات ولابد لك أيضا من رعاية للملح وحفظ الأشعار والأخبار والأمثال وقصص ذلك ، وقراءة في شيء من كتب الأدب وقراءة في كتب التاريخ والتراجم ، الخ ، فهذه تقوي منك الملكة في العلم ويكون أيضا معك نشاط في العلم بسبب ماذكر ، فإن نخلص من هذا ضرورة التوازن ، التوازن ليس معناه التساوي ، لا ، يغلّب ، يعطي كل ذي حق حقه، فيعطي أصول العلم حقها ويعطي وسائل العلم حقها ويعطي الملح أيضا حقا وهذا أنت تحكم به على نفسك، إذن طالب العلم يكون له في العلم لإقبال وتوسط وإدبار وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام " إن لكل شيء شرة وإن لكل شرة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح وأنجح ومن كانت فترته إلى بدعة فقد خاب وخسر " يعني ما من شيء إلا له قوة وإقبال ، شرة وقوة وعنفوان وشدة ، وله فترة ضعف بعد ذلك ضعفه بعد ذلك إلى سنة يعني اقتصاد في الأمر وسنة ومتابعة فهذا أفلح وأنجح ، يعني ما كانت فترته إلى غير الهدى إلى معصية ، ومن كانت فترته إلى معصية فهذا خاب وخسر ، وهذا يجعل طالب العلم ينتبه لنفسيته ، لا يخسر نفسه لأجل أنه ما أعطاها حقها وهذا وجدناه من بعض الإخوان وطلبة العلم ، فإنهم طلبوا العلم قليلا ثم بعد ذلك كسلوا ، السبب عدم التوازن ، الرغبة كانت في الأول قوية لكن أتعب نفسه ، أتعب نفسه بغير توازن ، وظن أنه يمكن أن يأتي كل شيء جملة مع قوة نفسه ، لا النفس تحتاج إلى تدرج " ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون " الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره وهذا يحتاج إلى تدرج ، حتى المرء مع نفسه يحتاج إلى ألا يأتيها جميعا ففي طلب العلم لا تأتي العلم مع كراهيته أو مع التوسط في قبوله ، إذا كان لك إقبال فيه ، فكما قال الشاعر :
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون